فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث / الرقم المسلسل:

وَالثَّانِي: أَنَّ نِيَّةَ الْإِمَامِ تَقُومُ مَقَامَ نِيَّةِ الْمُمْتَنِعِ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ نَائِبُ الْمُسْلِمِينَ فِي أَدَاءِ الْحُقُوقِ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهِمْ.

وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ -صلى الله عليه وسلم- كَانَ يَأْخُذُهَا مِنْهُم بِإِعْطَائِهِمْ إيَّاهَا، وَقَد صَرَّحَ الْقُرْآنُ بِنَفْيِ قَبُولِهَا؛ لِأنَّهُم يُنْفِقُونَ وَهُم كَارِهُونَ.

فَعُلِمَ أَنَّهُ إنْ أَنْفَقَ مَعَ كَرَاهَةِ الْإِنْفَاقِ لَمْ تُقْبَل مِنْهُ، كَمَن صَلَّى رِيَاءً.

لَكِنْ لَو تَابَ الْمُنَافِقُ وَالْمُرَائِي: فَهَل تَجِبُ عَلَيْهِ فِي الْبَاطِنِ الْإِعَادَةُ، أَو تَنْعَطِفُ تَوْبَتُهُ عَلَى مَا عَمِلَهُ قَبْلَ ذَلِكَ فَيُثَابَ عَلَيْهِ، أَو لَا يُعِيدُ وَلَا يُثَابُ؟

أَمَّا الْإِعَادَةُ: فَلَا تَجِبُ عَلَى الْمُنَافِقِ قَطْعًا؛ لِأَنَّهُ قَد تَابَ مِنَ الْمُنَافِقِينَ جَمَاعَةٌ عَنِ النِّفَاقِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم- وَلَمْ يَأْمُرْ أَحَدًا مِنْهُم بِالْإِعَادَةِ.

وَأَمَّا الْمُرَائِي إذَا تَابَ مِنَ الرِّيَاءِ مَعَ كَوْنِهِ كَانَ يَعْتَقِدُ الْوُجُوبَ: فَهُوَ شَبِيهٌ بِالْمَسْأَلَةِ الَّتِي نَتَكلَّمُ فِيهَا، وَهِيَ مَسْأَلَةُ مَن لَمْ يَلْتَزِمْ أَدَاءَ الْوَاجِبِ، وَإِن لَمْ يَكُن كَافِرًا فِي الْبَاطِنِ، فَفِي إيجَابِ الْقَضَاءِ عَلَيْهِ تَنْفِيرٌ عَظِيمٌ عَنِ التَّوْبَةِ.

فَإِنَّ الرَّجُلَ قَد يَعِيشُ مُدَّةً طَوِيلَةً يُصَلِّي وَلَا يُزَكِّي، وَقَد لَا يَصُومُ أَيْضًا، وَلَا يُبَالِي مِن أَيْنَ كَسَبَ الْمَالَ: أَمِن حَلَالٍ أَمْ مِن حِرَامٍ؟ وَلَا يَضْبِطُ حُدُودَ النِّكَاحِ وَالطَّلَاقِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ، فَهُوَ فِي جَاهِلِيَّةٍ، إلَّا أَنَّهُ مُنْتَسِبٌ إلَى الْإِسْلَامِ.

فَإِذَا هَدَاهُ اللهُ وَتَابَ عَلَيْهِ: فَإِنْ أُوْجِبَ عَلَيْهِ قَضَاءُ جَمِيعِ مَا تَرَكَهُ مِنَ الْوَاجِبَاتِ، وَأُمِرَ بِرَدِّ جَمِيعِ مَا اكْتَسَبَهُ مِنَ الْأَمْوَالِ (١)، وَالْخُرُوجِ عَمَّا يُحِبُّهُ مِنَ الْأبْضَاعِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ: صَارَتِ التَّوْبَةُ فِي حَقِّهِ عَذَابًا، وَكَانَ الْكُفْرُ حِينَئِذٍ أَحَبَّ إلَيْهِ مِن ذَلِكَ الْإِسْلَامِ الَّذِي كَانَ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّ تَوْبَتَهُ مِنَ الْكُفْرِ رَحْمَةٌ، وَتَوْبَتَهُ وَهُوَ مُسْلِمٌ عَذَابٌ.


(١) ولو كانت حرامًا، كمن كان يُرابي أو يُقامر، فنقول: ما بيدك فهو ملك لك حلال، إلا إذا أخذتَ مالًا غصبًا أو سرقةً فيجب عليك ردّه.

<<  <  ج: ص:  >  >>