النقطة الأخرى التي تعرف كمقدمة هي أن ما يسمى بالمحاق هي الحالة الطبيعية التي يكون فيها القمر بين الأرض والشمس ونصفه المظلم مواجها للأرض. وعندما يخرج القمر من هذه الحالة فيبدأ الحركة الاقترانية يبدو خيط قليل منه حينئذ نسميه الهلال وهذا الخيط يتصاعد ويكثر يوما بعد يوم حتى يصل إلى مرحلة البدر. فهي حالة طبيعية تحدث من خروج القمر من هذه الحالة. هذه الحالة الطبيعية حالة واحدة ولا تتكرر.
القمر إذا خرج من هذه الحالة فالشهر بدورته الطبيعة قد بدأ. ولكن الشهر بمفهومه الشرعي لا يبدأ إلا إذا رؤي هذا الهلال ((صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته)) ما دام أدخلنا عنصر الرؤية فمن الطبيعي أن تكون بداية الشهر بداية نسبية، لأن الهلال لا يمكنه أن يرى في كل البلدان بمستوى واحد، فتارة يظهر الهلال لدى بلد بعد الغروب قليلا ثم يختفي وأخرى يظهر قبل الغروب ويختفي أيضا، وضوء الشمس يمنع من رؤيته. وهناك حالات مختلفة يمكن أن نفترضها بحيث لا يرى البلد نور الهلال وحينئذ فلا مناص من القول بنسبة شروع الشهر من حيث الرؤية. هذا أيضا شيء نعتقد أنه واضح.
الشيء الآخر هو مسألة اختلاف المطالع. هذه المسألة تبدأ بهذا الشكل التقريري البسيط، أن الاختلاف بين بلد وبلد من حيث الرؤية تارة يكون لسبب طارئ كغيم وما إلى ذلك، هذا الاختلاف لا يعتد به، وأخرى يكون الاختلاف اختلافا في خطوط الطول والعرض، اختلاف بعيد. حينئذ وقع البحث الطبيعي بين العلماء، هل أن رؤية الهلال في بلد معين تكفي للحكم على العالم كله بأنه دخل في الشهر شرعا، من حيث الوجهة الشرعية لا من حيث الوجهة الطبيعية، الوجهة الطبيعية هي مقدمة للدخول الشرعي للشهر. أو أنه لكل بلد أفقه والآفاق مختلفة. هذا الاختلاف موجود بين أئمة المذاهب وموجود بين علماء الإمامية في داخل المذهب الإمامي بشكل واضح ويصل إلى حد الانقسام أحيانا الكلي بين العلماء في هذا المجال. فالطائفة القائلة به والطائفة المعترضة عليه كلتاهما قويتان من حيث القدرة والشهرة. محور اختلاف العلماء الإمامية في الأمر هو الانصراف في أحاديث، أن رئي أحاديث وردت عن أئمة الإمامية، الإمام الصادق والإمام الباقر، تؤكد على أن الهلال أن رؤي في بلد آخر أكتفى أهل هذا البلد به، هناك رواية تقول:"لا تصم إلا أن تراه فإن شهد أهل بلد آخر فاقضه" ولا أريد أن أذكر الروايات، مذكورة هنا عندنا والاختلاف موجود. محور الاختلاف هو هذا المعنى، أن رؤي في بلد آخر، فيه إطلاق يشمل كل البلاد أو لا ينصرف هذا الإطلاق إلى خصوص البلد القريب، يعني هل هناك انصراف يصرف ظهور هذا اللفظ ظاهرا بنفسه بغض النظر عن الانصراف في الإطلاق أن رؤي في بلد آخر، ولكن في قباله يقال هناك انصراف إلى البلد القريب لأنه هو المطروح في الأذهان.