استدل أصحاب الرأي الأول بالإِجماع والآثار، والرأي، أما الإِجماع فهذا ما ادعاه ابن قدامة، حيث قال:"ولنا إجماع الصحابة رضي الله عنهم فإن ما قلناه مروي عن أبي بكر، وعمر رضي الله عنهما ولم يعرف لهما من الصحابة مخالف"، ومثله قال الكاساني (١) .
وأما الآثار فهي كثيرة، فقد قال المروزي: اتفق أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعليّ: على أن الهبة لا تجوز إلا مقبوضة" (٢) .
وقد روى مالك، وعبد الرزاق، والبيهقي، وابن سعد بسندهم عن عائشة قالت: "لما حضرت أبا بكر الوفاة قال: أي بنية! ليس أحدٌ أحب إليّ غنًى منك ولا أعز عليّ فقرًا منك، وإني كنت قد نحلتك جداد عشرين وسقًا من أرضي التي بالغابة، وإنك لو كنت حزتيه كان لك، فإذ لم تفعلي فإنما هو للوارث، وإنما هو أخواك، وأختاك ..." (٣) .
ورووا أيضًا عن عمر بن الخطاب يقول: ما بال أقوام ينحلون أبناءهم، فإذا مات الابن قال الأب: مالي، وفي يدي، وإذا مات الأب قال: قد كنت نحلت ابني كذا وكذا. لا نحل إلا لمن حازه، وقبضه عن أبيه" (٤) .
ورويا بسندهما عن عثمان قال:"نظرنا في هذا النحول: فرأينا أن أحق من يحوز على الصبي أبوه"(٥) .
وروى عبد الرزاق عن شريح، وعطاء، وعمر بن عبد العزيز، وابن شبرمة، وعثمان البتي، أنهم كانوا لا يجيزون الهدية، ولا يجعلونها لازمة إلا بعد القبض (٦) . وكذلك الصدقة حتى تقبض"، وروي مثله عن شريح، ومسروق، والشعبي: أنهم كانوا لا يجيزون الصدقة حتى تقبض – أي لا تلزم إلا بالقبض (٧) .
فكل هذه الآثار تدل على أن السلف الصالح قد شاع بينهم هذا الحكم حتى أصبح مجمعًا عليه – كما قال ابن قدامة، والكاساني (٨) .