للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وأما قياس القبض في الرهن على العدالة في الشهادة فقياس مع الفارق من حيث الدلالة والماهية، وذلك لأن دلالة {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ} [سورة الطلاق: الآية ٢] . على اشتراط العدالة واضحة من الآية، بل هي موجهة إلى وجود هذا الوصف، بل إنه بدونه لا تكون شهادة، لأن الغرض منها كشف الحقيقة، وبيان الصدق فيها، وذلك لا يتحقق إلا مع وجود العدالة، وأما الرهن فالآية الدالة على كونه مقبوضًا لا تدل على أن القبض ركن وجزء من ماهيته، كما أنه لا يفهم من طبيعته كونه مقبوضًا، ومن جانب آخر لا يستلزم من هذا الوصف في الآية كون القبض ركنًا، أو شرطًا للصحة، بدليل أن الآية نفسها قد علقت الرهن على السفر مع أن الرهن جائز في الحضر بالاتفاق ما عدا مجاهدًا (١) .

ويمكن أن نناقش الرأي الثاني، بأن ما نقوله مسلم لكن وصف الرهان بكونها مقبوضة في الآية الكريمة لو لم يدل على كون القبض شرطًا لأصبح بدون فائدة، وهذا لا يجوز في كلام رب العالمين.

ويرد على الرأي الثالث أنه لا يلزم من القول بعدم اشتراط القبض كون "مقبوضة" في الآية لغوًا بدون فائدة، إذ أن ذكره له فائدة عظيمة وهي أن الرهن لا يكتفي فيه بمجرد العقد بل لا بد من التسليم، ولذلك يجبر على ذلك، فلو لم تكن هذه الصفة لكان بالإِمكان الاكتفاء بالعقد اللفظي مع إبقاء المال المرهون في يد الراهن، وأيضًا إن قياس الرهن على الهبة قياس مع الفارق، لأنه في مقابل التزام مالي دونها بالإِضافة إلى الهبة أيضًا محل الخلاف.

وبعد هذه المناقشة فالذي يظهر لنا رجحانه هو ما ذهب إليه مالك وأحمد في رواية، ,ذلك لأن الآية الكريمة {فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ} لا تدل على التعمق على كون القبض ركنًا ولا شرطًا للصحة، وإنما تدل على اعتباره، وهذا يتحقق في جعل القبض شرطًا للتمام والاستقرار وليس للصحة واللزوم، إذ على ضوء اعتباره ركنًا يؤدي إلى إلغاء الإِيجاب والقبول الصادرين من الراهن والمرتهن ما دام لم يصحبه القبض، وكذلك لو جعلناه شرطًا للصحة، وأما على ضوء اعتباره شرطًا للزوم فإنه يؤدي إلى أن العاقدين لهما حق الرجوع قبل القبض، وعلى ضوء ذلك فلو قبض الراهن الدّين، وتم الإِيجاب والقبول للرهن، فإن بإمكانه أن لا يسلمه لأنه غير ملزم، وفي هذا إجحاف كبير بحق المرتهن في حين أنه على ضوء مذهب مالك يجبر على تسليمه فيكون فيه صون لكلام العاقل من اللغو والإِلغاء، فالذي يدعمه الدليل أن الإِنسان ملزم بالعقد الذي التزم به، ولا يحتاج بعد ذلك إلى شيء آخر من قبض ونحوه، لقوله تعالى: {أَوْفُوا بِالْعُقُودِ ...} – كما سبق – بالإِضافة إلى أن السنة جعلت مخالفة الوعد – ناهيك عن العقد – من علامات النفاق (٢) ، فالرهن عقد يترتب عليه التزامات في مقابل التزامات مالية فينبغي أن يلزم بمجرد الإِيجاب والقبول – مع بقية الشروط – كسائر العقود، وهناك تفاصيل حول قبض العدل، ورهن المشاع لا تسمح طبيعة البحث بالخوض فيها.


(١) قال ابن المنذر في الإشراف: ١/٦٩: " ولا نعلم أحدًا خالف ذلك في القديم والحديث إلا مجاهدًا فإنه قال: ليس الرهن إلا في السفر".
(٢) روى البخاري في صحيحه، كتاب الإِيمان – مع الفتح -: ١/٨٩، ومسلم في صحيحه، كتاب الإِيمان ١/٧٨ بسندهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب ... وإذا وعد أخلف ...) .

<<  <  ج: ص:  >  >>