ونكاد نجزم بأن هذا الاتجاه من مقلدي الفقهاء والمتفقهين جاء نتيجة اتصال مباشر من بعضهم، وغير مباشر من آخرين بالتشريع الروماني الذي كان قائما على "صياغات" وضعية، وكان من الطبيعي أن يخضع استنباط الحكم منها فضلًا عن تطبيق أحكامها للدقة القصوى في فهم ألفاظها وتمييزها وتمحيصها وتعليلها وتحليلها للتأكد من أن تطبيق أحكامها أو استنباط حكم جديد منها، لا يخرج عن مقاصد ومدارك واضعيها الأولين , إذ إن تلك التشريعات بلغت لدى الملتزمين بها من متدينين وغير متدينين - باعتبار المسيحية دينًا تعبديا - وقبل أن يفتحوا لأنفسهم مجال الاجتهاد ويتحرروا من قيودها جزئيا أو كليا، أقصى ما يمكن أن تتصوره مداركهم ومواجدهم من الاحترام والتقديس.
على أن هذا الذي نرتئيه من تأثر فقهاء ومتفقهي ما بعد عصور الاجتهاد بكل من المنطق الصوري والتشريع الروماني وما تفرع عنه من حواشي وشروح وتعاليق، لا يصرفنا عن الوقوف عند تعريفاتهم وحدودهم التي وضعوها لـ "الملك" و"الملكية" استكمالا لعناصر وأطوار التصور البشري لكل منهما واستئناسًا بها في محاولتنا استشراف الحكم الشرعي الصحيح الدقيق فيما يتداوله الناس من أموال، وفيما يترتب عليهم أو لهم من تداوله من حقوق وواجبات، ذلك بأن اجتهادات فقهية متأخرة اعتمدت بعض تلك التعريفات والحدود، أو استأنست بها نشأت عنها تصورات وأحكام لا سبيل إلى إعقابها، بل ولا إلى عدم اعتمادها في محاولتنا هذه وما على شاكلتها من جهود لتوضيح معالم التشريع الاقتصادي الإسلامي في شكل يتماثل مع صيغ التشريعات الاقتصادية المعاصرة تماثلا يهيئ له قابلية الموازنة والمقارنة والمفاصلة والتنظير.
ويتراءى لنا أن أدق التعريفات والحدود التي اطلعنا عليها في هذا المجال، تعريف شهاب الدين القرافي (١) الذي نورده مع تحليله وتعديله له على طوله , لما يتضمنه من إشارة إلى أحكام قد نلفت إليها فيما نستقبل من هذا البحث.
يقول - رحمه الله - في " الفرق الثمانون والمائة بين قاعدة الملك وقاعدة التصرف ":