والمواعدة تختلف عن العقد الذي هو إنشاء للالتزام في الحال في حين أن المواعدة عبارة عن وعد بين طرفين بإنشاء العقد في المستقبل.
وقد ثار الخلاف بين الفقهاء في إلزامية الوعد على عدة آراء:
١-منها رأي الجمهور القاضي بعدم إلزامية الوعد.
٢-ومنها رأي ابن شبرمة وبعض المالكية الذين يقولون بأن الوعد كله لازم، وهو رأي القاضي سعيد بن أشوع الكوفي الهمذاني، قال البخاري: "وقضى ابن الأشوع بالوعد، وذكر ذلك عن سمرة بن جندب "وأن ابن راهويه يقول به (١) .
٣-ومنها القول المشهور والراجح في مذهب مالك الذي عزاه القرافي إلى مالك، وابن القاسم، وسحنون حيث يقولون بأن الوعد ملزم قضاء وديانة إذا كان مرتبطاً بسبب، ودخل الموعود في السبب، قال سحنون: "الذي يلزم من الوعد قوله: اهدم دارك وأنا أسلفك ما تبني به، أو اخرج إلى الحج وأنا أسلفك، أو اشتر سلعة، أو تزوج امرأة وأنا أسلفك، لأنك أخلفته بوعدك في ذلك، أما مجرد الوعد فلا يلزم به، بل الوفاء به من مكارم الأخلاق.."ثم قال القرافي: "بذلك قضى عمر بن عبد العزيز " (٢) .
بل إن هذا الرأي التجأ إليه متأخرو الحنفية على الرغم من أن قدماءهم لا يقولون بذلك فقد جعل متأخروهم عدة مواعيد لازمة، جاء في حاشية ابن عابدين في مطلب الشرط الفاسد: "قلت وفي جامع الفصولين: لو ذكر البيع بلا شرط، ثم ذكر الشرط على وجه العقد جاز البيع، ولزم الوفاء بالوعد، إذ المواعيد قد تكون لازمة فيجعل لازماً لحاجة الناس.."ثم نقل عن الفتاوى الخيرية للرملي أن علماء الحنفية صرحوا بأن العاقدين لو ذكرا البيع بلا شرط ثم ذكرا الشرط على وجه العدة جاز البيع، ولزم الوفاء بالوعد (٣) . وأيد ذلك العلامة خالد الأتاسي في شرح المجلة وعلل ذلك بحاجة الناس (٤) .
ونحن هنا لا نريد الخوض في تفاصيل ذلك، لكن الذي يظهر لنا رجحانه هو القول بإلزامية الوعد ديانة مطلقاً إلا لعذر مشروع، وبإلزامية الوعد قضاءً أيضاً إذا ارتبط بسبب أو ترتب عليه ضرر
فهذا هو المناسب مع مقاصد الشريعة، وأدلتها الكثيرة في الكتاب والسنة القاضية بوجوب الوفاء بالعهود والوعد والعقود، وأن مخالفة الوعد من علامات النفاق، ولذلك استشكل الحافظ ابن حجر قول جماعة من الفقهاء حينما قالوا: "يجب الوفاء بالوعد ديانة لا قضاء، وقول بعضهم: إنه يجب الوفاء بالوعد ديانة لا قضاء"، وقول بعضهم: "إنه يجب الوفاء تحقيقاً للصدق وعدم الإخلاف"فقال الحافظ: "وينظر: هل يمكن أن يقال: يحرم الإخلاف، ولا يجب الوفاء، أي يأثم الخلاف وإن كان لا يلزم بوفاء ذلك" (٥) أي في القضاء.
وقد صدرت عدة فتاوى جماعية بهذا الصدد: منها فتوى المؤتمر الأول للمصرف الإسلامي الذي عقد بدبي عام ١٣٩٩هـ مفادها أن وعد عميل المصرف بشراء البضاعة بعد شرائها، ووعد المصرف بإتمام هذا البيع ملزم للطرفين.
ومنها فتوى المؤتمر الثاني للمصرف الإسلامي عام ١٤٠٣هـ مفادها "وأما بالنسبة للوعد وكونه ملزماً للآمر، أو المصرف، أو كليهما فإن الأخذ بالإلزام هو الأحفظ لمصلحة التعامل واستقرار المعاملات، وفيه مراعاة لمصلحة المصرف والعميل، وإن الأخذ بالإلزام أمر مقبول شرعاً، وكل مصرف مخير في أخذ ما يراه في مسألة القول بالإلزام حسب ما تراه هيئة الرقابة الشرعية لديه.
وأخيراً صدر قرار من مجمع الفقه الإسلامي المنبثق عن المؤتمر الإسلامي في دورته الخامسة هذا نصه:
(١) صحيح البخاري –مع الفتح – ط. السلفية: ٥/٢٨٩.
(٢) الفروق: ٤/٢٤ – ٢٥؛ ويراجع: فتح العلي المالك: ١/٢٥٤، وتحرير الكلام للحطاب، ص ١٥٣؛ والبيان والتحصيل: ٨/١٨؛ وفتح الباري: ٥/٢٩٠؛ وشرح العيني على البخاري: ١/٢٥٨؛ والمحلى لابن حزم: ٨/٣٧٧؛ ويراجع لمزيد من التفصيل: مبدأ الرضا في العقود: ٢/١٠٣٢؛ وبحث د. نزيه حماد: الوفاء بالوعد، المنشور في مجلة مجمع الفقه الإسلامي بجده، العدد الخامس: ٢/٨٢٥.
(٣) حاشية ابن عابدين: ٤/١٣٥.
(٤) شرح مجلة الأحكام العدلية: ٢/٤١٥.
(٥) فتح الباري: ٥/٢٩٠.