للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ويبدو لي أن القول الثاني أرجح؛ لأن خير الهدي هديه صلى الله عليه وسلم، وما استدل به أصحاب القول الأول لا يثبت على محك النقد.

أما الدليل الأول وهو: أن التقديم للاحترام على المواقيت المكانية أعظم أجرا وأكثر تعظيما، فليس بصواب؛ لأن (وَقّت) في حديث ابن عباس وغيره تقضي بالإهلال من هذه المواقيت، فيكون التقديم من الزيادة على المقدرات من المشروعات، وذلك لا يجوز، فهذا أولا، وثانيا: أن الأجر يكون على قدر المشقة، إنما يكون صحيحًا إذا كانت لازمة لتحصيل الأعمال التي يتوجه قصد المكلف إليها، لا ما جعلها المكلف هدفا من أهدافه، روى أمام دار الهجرة مالك بن أنس رضي الله عنه في الموطأ عن حميد بن قيس وثور بن زيد الديلي أنهما أخبراه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم - وأحدهما يزيد في الحديث على صاحبه - أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ((رأى رجلاً قائما في الشمس، فقال: ما بال هذا؟ فقالوا: نذر إلا يتكلم، ولا يستظل من الشمس، ولا يجلس ويصوم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مروه فليتكلم، وليستظل، وليجلس وليتم صيامه)) (١) .

قال مالك رحمه الله: أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتم ما كان لله طاعة، ويترك ما كان لله معصية (٢) .

ويتضح من الحديث، ومن تعليق ذي الإمامتين عليه أن الحنيفية السمحة ليس فيها مما يُتقرب به إلى الله إدخال المشقة والإعنات عن النفس.


(١) الموطأ كتاب النذور والإيمان. مالا يجوز من النذور في معصية الله: ٣/١١ مع شرح الزرقاني.
(٢) الموطأ: ٣/٦١ مع شرح الزرقاني.

<<  <  ج: ص:  >  >>