لا خلاف بين علماء المسلمين – من أهل التفسير أو الفقه – على أن القاضي المسلم لا يجوز له أن يحكم بغير الشريعة الإسلامية – سواء أكان ذلك بين المسلمين أم كان بين غير المسلمين، وذلك لقوله تعالى:{وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ عَمَّا جَاءَكَ مِنَ الْحَقِّ}[المائدة: ٤٨] ، وقوله تعالى:{وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ}[المائدة: ٤٩] ؛ ولأن الأصل في الشرائع هو العموم في حق الناس كافة، إلا أنه تعذر تنفيذها في دار الحرب لعدم الولاية، وأمكن في دار الإسلام فلزم التنفيذ فيها (١) .
ولكن القاضي في تطبيقه لأحكام الشريعة الإسلامية على غير المسلمين، يراعي القواعد والأحكام التي نص عليها الفقهاء، تطبيقًا لقاعدة (أمرنا بتركهم وما يدينون) ، باعتبارها قواعد موضوعية في الشريعة الإسلامية وليست قواعد إسناد تحيل إلى شريعتهم أو إلى قانون آخر غير الشريعة الإسلامية (٢) .
وعلى ذلك: ذهب الحنفية إلى أن أحكام الإسلام تجري على غير المسلمين – كما تجري على المسلمين – فيما عدا الأنكحة ونفي المهر وتمليك الخمر والخنزير وتملكهما، فقد وضعوا لها قواعد موضوعية تفصيلية، يمكن الرجوع إليها في مظانها (٣) . وعند المالكية: أنهم يقرون على أنكحتهم، وإن كانت فاسدة في ذاتها، ولا يمنعون من الزواج بالبنات والأمهات، على تفصيل في كتبهم (٤) .
وقد فصل الشافعية أحكام أهل الذمة في عدة مواضع من كتبهم، بما لا يخرج في الجملة عما سبق إيراده (٥) . ولا يختلف الأمر كثيرًا عند الحنابلة (٦) .
(١) الكاساني، بدائع الصنائع: ٢ / ٣١١ نقلًا عن أبي يوسف يعقوب؛ وانظر: ابن العربي، أحكام القرآن: ٢ / ٦١٩؛ البيهقي، أحكام القرآن للإمام الشافعي: ٢ / ٧٣؛ الطبري، جامع البيان: ٦ / ٢٦٨؛ الفخر الرازي، التفسير الكبير: ١٢ / ١١؛ القرطبي، الجامع لأحكام القرآن: ٦ / ١٨٦؛ مالك، المدونة الكبرى: ٤ / ١٦٢؛ الشافعي، الأم، ٤ / ١٣٠؛ ابن قدامة، المغني: ١٠ / ٦٢٤ (٢) عبد الكريم زيدان، نظام القضاء في الشريعة الإسلامية، بغداد: ١٩٨٤، ص ٢٨ فقرة ٣١، وص ٢٥٤ (٣) ابن الهمام، فتح القدير: ٢ / ٤٨٣ – ٥٠٤؛ السرخسي، المبسوط: ٥ / ٣٨؛ الفتاوى الهندية: ١ / ٣٣٧؛ الكاساني، بدائع الصنائع: ٢ / ٣١١ (٤) الإمام مالك، المدونة الكبرى: ٤ / ١٦٢؛ الخرشي، شرح على مختصر خليل وحاشية العدوي عليه: ٣ / ١٤٩؛ الدردير، الشرح الصغير: ٢ / ٤٢٢، ٣٧٤، ٤ / ١٠٣، ١٤٠، ٣٣١، ٥٨٢؛ الزرقاني، شرح على مختصر خليل، وحاشية البناني عليه: ٣ / ١٤٦، ٨ / ١٧٨، ٢٠٠ (٥) الشافعي، الأم: ٤ /١٣٠ –١٣٣؛ الشربيني الخطيب، مغني المحتاج: ٣ / ١٩٥ – ١٩٦؛ قليوبي وعميرة على المحلى على المنهاج: ٣ / ٣٢،٤٣، ٨٨، ١٠٠، ١٥٩، ٢٥٦ (٦) ابن قدامة، المغني: ١٠ / ٦٢٤؛ والشرح الكبير: ١٠ / ٦٣١؛ ابن مفلح، كتاب الفروع، وتصحيح الفروع للمرداوي: ٦ / ٢٦٩ – ٢٨٩