وقد ذكر فقهاؤنا الأجلاء أن فساد النقود دليل على فساد السياسة، قال القاضي أبو يعلى:"وقد كان الفرس عند فساد أمورهم، فسدت نقودهم"، ولذلك لم يجوز الحنابلة –في الرواية الراجحة- إنفاق المغشوشة، فقال أحمد في رواية محمد بن إبراهيم، وقد سأله عن المزيفة فقال:"لا يحل" قيل له: إنه يراها ويدري أي شيء هي؟ قال:"الغش حرام وإن بين" هذا إذا كان الغش بيناً أما إذا كان الغش لا يظهر، فلا يجوز رواية واحدة. (١)
ويقول السيوطي: يكره للإمام إبطال المعاملة الجارية بين الناس.
وقال الشافعي والأصحاب: يكره للإمام ضرب الدراهم المغشوشة، للحديث الصحيح:((من غشنا فليس منا)) ؛ ولأن فيه إفساداً للنقود وإضراراً بذوي الحقوق وغلاء الأسعار، وغير ذلك من المفاسد، ومن ملك دراهم مغشوشة، كره له إمساكها، بل يسبكها ويصفيها. (٢)
وقد اتخذ الفقهاء عدة وسائل عملية، لمنع تداول العملات المغشوشة إضافة إلى تحريمها، وفرض العقوبات على من يقوم بصنعها وتداولها، والترهيب بالعذاب الأخروي عليها.. من هذه الوسائل أن العملات المضروبة الصحيحة السالمة الكاملة، هي التي يقع عليها العقود والحقوق عند ذكرها مطلقة، ومنها امتناع العاملين على الخراج والصدقات والجبايات من أخذ المغشوشة، يقول الماوردي، وأبو يعلى:"وإذا خلص العين والورق من غش كان هو المعتبر في النقود المستحقة، والمطبوع منها بالسكة السلطانية الموثوق بسلامة طبعها، المأمون من تبديلها وتلبيسها، هي المستحقة، ولذلك كان هو الثابت في الذمم فيما يطلق من أثمان المبيعات وقيم المتلفات، فأما مكسور الدراهم والدنانير فلا يلزم آخذه في الخراج، لالتباسه، وجواز اختلاطه، ولذلك نقصت قيمتها عن المضروب الصحيح". (٣)