للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وبظني أن الشرط الذي ذكر لصحة هذه العملية وهو: (أن يأخذ بقدر دينه دراهم أو عروضا لا أكثر) هو لأجل أن لا يستغل المشتري البائع ويضغط عليه بأن يردده بين أن يدفع المتاع الذي لم يوجد وبين أن يدفع أكثر من قيمته، بل تريد الرواية أن تقول: إن البائع له حق في أن يعطي بدل المتاع الذي في ذمته ولا يوجد في الخارج لا أنه يجبر على ذلك بحيث يستغل من قبل الطرف الآخر، وعلى هذا فإن أعطى البائع من متاعه أكثر من قيمة ما عليه من الدراهم أو العروض باختياره فهو معاوضة صحيحة، يشملها (تجارة عن تراض".

الأمر الثاني: إذا باع المشتري ما اشتراه قبل القبض بجنس ما اشتراه على البائع، وهنا روايتين ضعيفتين (١) تجوزان ذلك بشرط أن يكون بقدر الثمن الأولي لا أكثر. ولكن الروايات المتقدمة في الأمر الأول أجازت البيع بجنس الثمن الأولي مطلقا (أي سواء كان بقدر الثمن الأولي أو بزيادة عنه أو نقيصة) ولذلك فقد اختلفت أقوال العلماء. ولكن بما أن الروايتين ضعيفتين فنصير إلى روايات الجواز، بالإضافة إلى أن الأصل الأولي القائل بأن المشتري عندما ملك بيع السلم، فهو حر في بيعه بعد بجنس الثمن الأولي أو بزيادة أو بنقيصة؛ لأنه يبيع المبيع ولا يبيع الثمن حتى يشترط أن يكون بقدر دراهمه لا أكثر، وحينئذ يشمله {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ} [البقرة: ٢٧٥] و {تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ} [النساء: ٢٩] .

الأمر الثالث: إذا باع المشتري المسلم فيه بنفس جنس المسلم فيه فلا يجوز بزيادة أو نقيصة لأنه ربا حيث اشترطت الروايات في بيع المتجانسين إذا كان من المكيل أو الموزون التساوي.

آراء بقية المذاهب في بيع المكيل والموزون قبل قبضه

وقد ذهب العلامة ابن القيم إلى جواز بيع الطعام قبل قبضه على بائعه بدليل آخر، فقال: (وأما نهي النبي صلى الله عليه وسلم عن بيع الطعام قبل قبضه فهذا إنما هو في المعين أو المتعلق به حق التوفية من كيل أو وزن فإنه لا يجوز قبل قبضه، أما ما في الذمة فالاعتياض عنه من جنس الاستيفاء، وفائدته سقوط ما في ذمته عنه لا حدوث ملك له، فلا يقاس بالبيع الذي يتضمن شغل الذمة، فإنه إذا أخذ منه عن دين السلم عرضا أو غيره أسقط ما في ذمته، فكان كالمستوفي دينه لأن بدله يقوم مقامه، ولا يدخل هذا في بيع الكالئ بالكالئ بحال.

والبيع المعروف: هو أن يملك المشتري ما اشتراه، وهذا لم يملكه شيئا، بل سقط الدين من ذمته، ولهذا لو وفاه في ذمته لم يقل: إنه باعه دراهم بدراهم، بل يقال: وفاه حقه بخلاف ما لو باعه دراهم معينة بمثلها فإنه بيع.

ففي الأعيان: إذا عاوض عليها بجنسها أو بعين من غير جنسها يسمى بيعا.

وفي الدين: إذا وفاها بجنسها لم يكن بيعا، فكذلك إذا وفاها بغير جنسها لم يكن بيعا، بل هو إيفاء فيه معنى المعاوضة. ولو حلف ليقضينه حقه غدا، فأعطاه عنه عرضا برًّا في أصح الوجهين) (٢) .

وقد ارتأى هذا الرأي الإمام مالك أيضا فقد جاء في المدونة: (قلت: فإن كنت أسلفت في شعير فلما حل الأجل أخذت سمراء أو عمولة؟ قال: لا بأس بذلك وهو قول مالك ... ثم ذكر أن هذا إنما يجوز بعد محل الأجل أن يبيعه من صاحبه الذي عليه السلف ولا يجوز أن يبيعه من غير صاحبه الذي عليه السلم ... حتى يقبضه من الذي عليه السلف ... ) (٣) .


(١) إحداهما خبر علي بن جعفر قال: (سألته عن رجل له على آخر تمر أو شعير أو حنطة أيأخذ بقيمته دراهم؟ قال: إذا قومه دراهم فسد؛ لأن الأصل الذي يشتري به دراهم فلا يصلح دراهم بدراهم ... ) باب ١١ من السلف ح١٢
(٢) عن القره داغي/ تطبيقات شرعية لإقامة السوق الإسلامية المشتركة/ ص٦٦
(٣) المدونة ٤/٣٤ – ٣٥

<<  <  ج: ص:  >  >>