من الواضح أن قوله صلى الله عليه وسلم:((كل مسكر حرام)) لا يقصد منه مجرد التسمية فقط؛ ذلك لأن الرسول صلى الله عليه وسلم ليس واضع أسماء ولغات، وإنما القصد منه، أنه يأخذ حكم الخمر في التحريم والعقوبة.
فكل ما كان في معنى الخمر من المواد المعروفة الآن بالمخدرات يأخذ حكمها، ويلزم ثبوت تلك الأحكام في كل مادة ظهرت بعد عهد التشريع، وكان لها من الآثار الضارة مثل آثار الخمر أو أشد، إن لم يكن بحرفية النص فبروحه ومعناه ومعقوله، وبالقاعدة العامة الضرورية، وهي دفع المضار، وسد الذرائع.
وبذلك أجمع على حرمة المخدرات فقهاء المسلمين الذين ظهرت في عهدهم وتبينوا آثارها السيئة في الإنسان وبيئته ونسله، وعرفوا أنها مثل الخمر وأشد. فقرروا حرمتها، كما قرروا عقوبة تناولها والاتجار بها، وقرروا أن استحلالها كاستحلال الخمر. فابن عابدين الفقيه الحنفي:(١) نقل عن كتاب الجامع وغيره، أن من قال بحل البنج والحشيشة فهو زنديق مبتدع، بل قال نجم الدين الزاهدي: إنه يكفر ويباح قتله.
وعلل الحنفية تحريم تناول البنج والحشيشة والأفيون، بأن ذلك مفسد للعقل، فيحدث عند الرجل خلاعة وفساداً، ويصد عن ذكر الله وعن الصلاة.
لكن تحريم ذلك ليس لعينه، بل لنتائجه، فإن أكل الشخص شيئاً من ذلك لا يقام عليه حد الشرب أو السكر، وإن تخدر منه؛ لأن الشرع أوجب الحد بالسكر من المشروب المائع لا المأكول، وإنما يعاقب بالعقوبات التعزيرية الأخرى. (٢)
وبمثل قول الحنفية في حرمة الحشيشة ونحوه ومعاقبة متناولها بعقوبة تعزيرية رادعة دون الحد؛ قال فقهاء المالكية والشافعية والظاهرية، فإنهم حرموا تناول كل ما يؤثر في العقل، كالبنج والحشيشة والأفيون والقات المخدر المستعمل الآن في اليمن، لثبوت ضررها في البدن والعقل.
ولكن لا حد في تناول ذلك، وإنما يعزر متعاطيها بالعقاب الزاجر له ولأمثاله، وغير الحنفية قالوا: إذا وصل الحشيش المذاب إلى حد الشدة المطربة، فيجب فيه الحد كالخمر. (٣)
(١) حاشية ابن عابدين (٥/٣٩٩) و (٤/٣٢٦) (٢) راجع المبسوط للسرخسي (٢٤/٩) الطبعة الأولى، وفتح القدير لابن الهمام (٤/١٨٤) طبعة مصطفى محمد، واللباب شرح الكتاب للميداني (٣/٣٥٢) طبعة صبيح. (٣) راجع في هذا من المذهب المالكي: حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (٤/٣٥٢) . ومن المذهب الشافعي: مغني المحتاج (١/٧٧) ، (٤/١٨٧) ، وحاشيتي قليوبي وعميرة على المحلى للمنهاج (١/٦٩) ، (٤/٢٠٣) ؛ وفتاوى ابن حجر المكي (٤/٢٢٣ – ٢٢٤) ، ومن المذهب الظاهري: المحلى لابن حزم (٧/٥٦٣) طبعة الإمام بالقاهرة.