الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين.
أيها الأخوة السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
أولاً: باعتبار أنني آخذ الكلمة لأول مرة فلا بد أن أحيي هذا البلد على استضافته لهذه الدورة شعبًا وحكومة وملكًا، ولا بد لي أيضا أن أعبر عن سروري لتحقيق رؤيتي ولقياي بإخواني الذين اضطررت أن أتغيب عن لقياهم في جلسات سابقة لظروف لا تخفى عليكم، ثانيًا: أود أن أقدم الشكر والتقدير لكل الباحثين الذين أثروا هذا البحث وهذا الموضوع ببحوثهم ودراساتهم، ولكن لي بعض الملاحظات لا بد أن أبديها:
أولاً: إن دين الله كله يسر وكله موافق للفطرة وكله لا حرج فيه، وهو يرفع الإصر والأغلال عن الناس، وحين نتحدث عن الرخص فنحن نتحدث عن الأيسر، ولكن الله سبحانه وتعالى لم يكلف عباده أن يعبدوه بما لا يطيقونه، فالأصل في عزائم هذا الدين أيضا أنها يسر ورفع للحرج عن الناس ومنع للإصر ودفع للأغلال والقيود عنهم، إذن الرخصة هي مزيد من التيسير لظرف استثنائي يخص حالات استثنائية، ولذلك وددت أن ألاحظ هنا هذا المعنى لكي يتأكد أن الأخذ بعزائم هذا الدين هي أيضا يسر وهي أيضا رفع للحرج وهي دفع للإصر والأغلال عن الناس، فهذا الدين موافق للفطرة ويأخذ بما هو معروف وينكر ما هو منكر كما تنكره الفطرة السليمة، وتستحسنه الفطرة السليمة، وهذا المعنى لا بد أن يتأكد كما قال الشيخ السلامي: الأصل في هذا الدين أنه يرى أن الإنسان قد تعبده الله بما هو موافق لفطرته وطبعه، والعبودية من معانيها تهيئة الشيء لما يصلح له، وفي لسان العرب حينما نقول: عبَّد الطريق أو عبَّد الإبل أو عبَّد الفرس: هيأه لما يصلح له. ومن العبودية التي تعبدنا الله بها أن هيأنا لما هو موافق لفطرتنا، ولذلك فإن الأخذ بالعزائم هو الأصل لأنه هو الذي يدفع الإصر والأغلال عن الناس، والترخيص استثنائي لظروف معينة، ولذلك كنت أتمنى حينما يتم الحديث عن تتبع الرخص إنما يقال: إنه هو نوع من البحث عن اليسير من الأمور لظروف تخص تلك الحالات.
كذلك أود أن أعقب على كلمة التلفيق، وهو بالنسبة لي إنما هو اختيار الأيسر، وهو أدخل بموضوع يتصل بالاجتهاد أو الاجتهاد الجزئي أو الترجيحي منه من الحديث عن مجال الرخص، والبحث في نظري يتناول قضية إمكانية الاجتهاد أو الاكتفاء باجتهادات سابقة والترجيح بينها، وقد يتصل بموضوع الإجماع، وهل يجوز لأهل عصر متأخر الخروج عن إجماع عصر سابق لعصره؟ وإذا صح التعبير فيما يتعلق بالترجيح الاجتهادي أو اختيار الأيسر فإنني هنا أقول: إنه اجتهاد، وقد يعتمد على الأدلة، فقد يترجح لدينا أن المهر أثر من آثار العقد، وبالتالى ليس ركنا يبطل العقد، وقد يترجح لدينا القول بعدم اشتراط الولي، وقد قال الفقيه المالكي ابن رشد حينما تحدث عن أدلة الأحناف وأدلة المالكية: أرى أدلتهم أقوى، وقد يترجح لدينا القول بعدم اشتراط الشاهدين، فإذن هنا الأمر يتوقف على اجتهاد وترجيح بين جوانب معينة، وقد يذهب التشريع إلى الأخذ بكل هذه الجوانب، إذن الأمر المهم للمسلمين اليوم هو ما يمكنهم من استقلالهم التشريعي، وهذا المجمع أعتقد أنه حينما بحث هذا الأمر إنما يبحث عن الاستقلال التشريعي لهذه الأمة بعد أن أخذت زمنا من تاريخها تتبع تشريعات ما أنزل الله بها من سلطان، وأدخلتها في متاهات لا أول لها ولا آخر، وإذا صح ذلك فلابد أن ندرك أن البحث يتعلق بأمر هام يهم أمة المسلمين، وكيف يمكنهم العودة إلى تشريعهم بما يوافق مصالحهم، ولكن بقيد أساسي أنه حيث شرع الله فهناك المصلحة وليس العكس، حيث شرع الله فهو الذي يرفع الحرج وييسر أمور الناس.