للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

- وقال القاضي البيضاوي في تعريف الرخصة:

" الحكم إن ثبت على خلاف الدليل لعذر فرخصة. كحل الميتة للمضطر، والقصر والفطر للمسافر، واجبًا ومندوبًا ومباحًا، وإلا فعزيمة (١) فالرخصة عنده حكم شرعي مثل العزيمة، خلافًا للإمام الرازي الذي جعلهما من أقسام الأفعال (٢) ولكل حكم دليله من الشرع، فإن كان هذا الحكم ثابتًا بالدليل ابتداء من غير تقدم ما يوجب خلافه فهو العزيمة، وما شرع على خلاف الدليل الثابت ابتداء بدليل آخر لعذر فرخصة. فقوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} [المائدة: ٣] . هو دليل الحكم الثابت ابتداء، وهذا الحكم هو حرمة أكل الميتة. وهو العزيمة.

وقوله تعالى: {فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ} [البقرة: ١٧٣] هو دليل الحكم الثابت لعذر على خلاف الدليل الثابت ابتداء. وهذا الحكم هو حلية أكل الميتة للمضطر. وهو الرخصة.

- وقال العلامة البدخشي في شرحه على منهاج الأصول للقاضي البيضاوي والذى ترجمه بمنهاج العقول في شرح منهاج الأصول:

وعرف بعضهم الرخصة بأنها: ما شرع من الأحكام لعذر مع قيام المحرم لولا العذر (٣) وهذا التعريف لا يختلف عن تعريف ابن الحاجب. وقد تحصل من هذا التعريف أن دليل الحرمة (وهو قوله تعالى مثلاً: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ} إذا بقي معمولاً به، فطرأ في حق المكلف عذر (مثل المخمصة) أدى إلى التخلف عن الحكم الثابت ابتداء فأبيح له ما كان ممنوعًا، ولولا ما طرأ من عذر أو مانع ما أبيح له ذلك، فالحكم الثابت بالتخلف لا ابتداء هو الرخصة.

ويخرج بهذا التعريف:

أ – الحكم الثابت ابتداءً لأنه شرع لغير عذر أو مانع.

ب- المنسوخ لأن المحرم لا يبقى قائمًا ولا معمولاً به.

ج – الحكم الثابت بالمخصص لأن التخلف فيه ليس لعذر، بل هو لبيان أن الدليل العام لا يشمله.

- وعرف أبو إسحاق الشاطبي الرخصة فقال:

هى ما شرع لعذر شاق استثناء من أصل كلي يقتضي المنع، مع الاقتصار على موضع الحاجة فيه (٤)


(١) انظر: منهاج الوصول في علم الأصول بشرحي الإسنوى والبدخشي: ١ /٦٩ – ٧٠ (ط. محمد صبيح وأولاده بالأزهر – مصر)
(٢) الحاصل: أن القاضي البيضاوي قد تبع في اعتبار الرخصة والعزيمة من أقسام الحكم، تاج الدين الأرموي صاحب كتاب الحاصل، وعلى هذا سار الإمام القرافي في كتبه. وجرى غيرهم على اعتبارهما (أي الرخصة والعزيمة) من أقسام الفعل مثل: الآمدي في الأحكام، وابن الحاجب في مختصره الكبير، والإمام الرازي في المحصول.
(٣) انظر: كتاب المنهاج بشرحي الإسنوي والبدخشي: ١ /٦٩
(٤) انظر: الموافقات: ١ /١٨ (ط. أولى بتونس)

<<  <  ج: ص:  >  >>