للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

وبعد، فقد ثبت لنا بالعديد من الأدلة القطعية التي قدمناها في هذه الفقرة سواء منها ما يتصل بذات القرآن الكريم من حيث لفظه ونظمه وأسلوبه وبلاغته ونزوله وترتيبه، ومن حيث مضمونه وما احتواه من عقائد صحيحة وأحكام مناسبة ومعاملات سليمة وأخلاق فاضلة، ومن حيث أخباره الماضية العتيقة والمستقبلة البعيدة وأسراره التي لم تحل وغيبياته التي لم تكشف , أو ما يتصل بذات الرسول صلى الله عليه وسلم من حيث أميته وسيرته وحالته في التلقي، وحرصه على الحفظ وانتظاره قبل اتخاذ القرار وبعده عن الشعور واللاشعور، كما رأينا أن العقل والمنطق والعلم والموضوعية كلها تشهد بأن القرآن الكريم وحي إلهي عظيم، فلا مجال بعد ذلك كله إلا الاعتراف والتسليم لأي باحث متدبر وعالم عاقل، وسيبقى القرآن الكريم عزيزًا يغلب كل مغالب، ويعلو على كل شاعر وكاتب، وستنقضي الأحقاب والأجيال قبل أن تنقضي عجائبه وقبل أن يحيط الناس بكل ما فيه: {يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ} (١) .

أما من ينكر بعد كل ذلك فهو إما ممن غرق في حمأة العناد ممن يقولون: {مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آَيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ} (٢) .

أو ممن لا يجدون طمأنيتهم إلا في اضطراب الشك يقولون: {إِنْ نَظُنُّ إِلَّا ظَنًّا وَمَا نَحْنُ بِمُسْتَيْقِنِينَ} (٣) .

وهؤلاء وأولئك لا سبيل لنا عليهم ولا ينفعهم نصحنا إن كان الله يريد أن يغويهم، إذ ليس من شأننا أن نسمع الصم أو نهدي العمي، ولا الذين يجعلون أصابعهم في آذانهم فإذا هم لا يسمعون، أو يضعون أكفهم على أعينهم فإذا الشمس الطالعة ليست بطالعة: {وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا} (٤) .

وإنما سبيلنا أن ننصب الحجة لجاهلها من طلاب الحق ونوضح الطريق لسابلها من وراء اليقين (٥) , ولعمري لئن كانت للقرآن في بلاغة تعبيره معجزات، وفي أساليب تربيته معجزات، وفي نبوءاته الصادقة معجزات، وفي تشريعاته الخالدة معجزات، وفي كل ما استخدمه من حقائق العلوم النفسية والكونية معجزات ومعجزات، لعمري إنه في ترتيب آية على هذا الوجه لهو معجزة المعجزات. (٦)


(١) سورة الأعراف: الآية ٥٣
(٢) سورة الأعراف: الآية ١٣٢
(٣) سورة الجاثية: الآية ٣٢
(٤) سورة المائدة: الآية ٤١
(٥) النبأ العظيم: ص ٧٨
(٦) النبأ العظيم: ص ٢١١

<<  <  ج: ص:  >  >>