قال الزمخشري:«فإن قلت: كيف جاز له أنْ يكذب؟ قلت: قد جوَّزه بعض الناس في المكيدة في الحرب، والتقية، وإرضاء الزوج، والصلح بين المتخاصمين والمتهاجرين، والصحيح أنَّ الكذب حرام، إلا إذا عَرَّضَ ووَرَّى، والذي قاله إبراهيم - عليه السلام - مِعْرَاضٌ من الكلام». اهـ (١)
قالوا: والمعاريض لا تُذم، خصوصاً إذا احتيج إليها، فعن عمران بن حصين - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إن في المعاريض لمندوحة عن الكذب»(٢)، وقال عمر بن الخطاب - رضي الله عنه -: «ما يسرني أنَّ لي بما أعلم من معاريض القول، مثل أهلي ومالي»(٣)، وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لعجوز:«إن الجنة لا يدخلها عجوز»(٤)،
أراد قوله تعالى:(إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥)) [الواقعة: ٣٥]، وكان أبو بكر - رضي الله عنه - حين خرج من الغار، مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، إذا سأله أحد: من هذا بين يديك؟ يقول:«هادٍ يهديني»(٥)، وكانت امرأة ابن رواحة - رضي الله عنه -، قد
= مِنْ غَيْرِ تَصْرِيحٍ. انظر: الموسوعة الفقهية (١٢/ ٢٤٨). وقال القاضي عياض: «هو التورية بالشيء عن آخر بلفظٍ يُشْرِكُهُ فيه، أو يتضمن فصلاً من جُمَلِه، أو يحتمله مجازُهُ وتصريفه». انظر: مشارق الأنوار، للقاضي عياض (٢/ ٧٤). (١) انظر: الكشاف، للزمخشري (٤/ ٤٧). (٢) أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (١٠/ ١٩٩)، والقضاعي في مسند الشهاب (٢/ ١١٩)، وابن عدي في الكامل (٣/ ٩٦). وضعفه الألباني، في ضعيف الجامع، حديث (١٩٠٤)، وصحح وقفه على عمران بن حصين - رضي الله عنه -. (٣) أخرجه بنحوه: ابن جرير الطبري في تهذيب الآثار (٣/ ١٤٥). (٤) أخرجه الترمذي في كتاب «الشمائل المحمدية» (١/ ١٩٨ - ١٩٩) قال: حدثنا عبد بن حميد، حدثنا مصعب بن المقدام، ثنا المبارك بن فضالة، عن الحسن قال: أتت عجوز إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسول الله: ادع الله أنْ يدخلني الجنة. فقال: يا أم فلان، إن الجنة لا تدخلها عجوز. قال: فولت تبكي، فقال: أخبروها أنها لا تدخلها وهي عجوز، إن الله تعالى يقول: (إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً (٣٥) فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَارًا (٣٦) عُرُبًا أَتْرَابًا (٣٧)) [الواقعة: ٣٥ - ٣٧]. وأخرجه الطبراني في الأوسط (٥/ ٣٥٧)، من حديث عائشة رضي الله عنها. والحديث صححه الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة، (٦/ ١٢٢١)، حديث (٢٩٨٧). (٥) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: «أَقْبَلَ نَبِيُّ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - إِلَى الْمَدِينَةِ، وَهُوَ مُرْدِفٌ أَبَا بَكْرٍ، وَأَبُو بَكْرٍ شَيْخٌ يُعْرَفُ، وَنَبِيُّ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - شَابٌّ لَا يُعْرَفُ، قَالَ: فَيَلْقَى الرَّجُلُ أَبَا بَكْرٍ فَيَقُولُ: يَا أَبَا بَكْرٍ: مَنْ هَذَا الرَّجُلُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْكَ؟ فَيَقُولُ: هَذَا الرَّجُلُ، يَهْدِينِي =