ولم يكن ذلك فيمن تقدم قبلنا من الأمم (١)، بل كانوا منقادين لعلمائهم محبين لهم كما وصفهم الله تعالى في كتابه، بقوله:{اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ}(٢)، والأمة: يجوز أن يراد بهم أمة الدعوة فتندرج سائر أرباب الملل الذين ليسوا على قبلتنا أو أمة الإجابة، فالمراد: نحل أهل القبلة، وقال بعض العلماء: الأمة عبارة عن أهل ذلك الزمان على أي ملة كانوا، وقد تطلق الأمة على الزمن مجازًا (٣)، والله أعلم، وروى الترمذي عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "ليأتين على أمتي ما أتى علي بني إسرائيل" فذكر الحديث، إلى أن قال:"وأن بني إسرائيل تفرقت على ثنتين وسبعين ملة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين ملة كلهم في النار إلا واحدة" قيل: من هي يا رسول الله؟ قال:"ما أنا عليه وأصحابي" قال الترمذي: حديث حسن غريب، وخرجه الترمذي أيضًا من حديث أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:"تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة أو اثنتين وسبعين فرقة، والنصارى مثل ذلك، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة".
قوله - صلى الله عليه وسلم -: "ثنتان وسبعون في النار"، أي: كلهم يفعلون ويعتقدون ما هو موجب دخول النار فإن كان كفرًا وماتوا عليه دخلوها ولا يخرجون، وإلا
(١) انظر تفسير القرطبي (٧/ ١٤١). (٢) سورة التوبة، الآية: ٣١. (٣) المفاتيح (١/ ٧٢)، وكشف المناهج (١/ ١٤٥)، وشرح المصابيح (١/ ١٧٧) لابن الملك.