ذكر فيه وجهان أحدهما: أن الصيام هو مجرد ترك حظوظ النفس وشهواتها الأصلية التي جبلت على الميل إليها لله عز وجل، ولا يوجد ذلك في عبادة أخرى غير الصيام، الوجه الثاني: أن الصيام سر بين العبد وربه لا يطلع عليه غيره لأنه مركب من نية باطنة لا يطلع عليها إلا الله فتركه لتناول الشهوات التي يستخفي بتناولها في العادة وكذلك قيل لا تكتبه الحفظة وقيل: إنه ليس فيه رياء كذا قاله الإمام أحمد وغيره، وهذا الوجه اختيار أبي عبيد وغيره (١) أ. هـ.
قوله - صلى الله عليه وسلم - عن الله تعالى:"للصائم فرحتان فرحة عند فطره وفرحة عند لقاء ربه" الحديث أما فرحة الصائم عند فطره فإن النفوس مجبولة على الميل إلى ما يلائمها من مطعم ومشرب ومنكح فإذا منعت من ذلك في وقت من الأوقات ثم أبيح لها في وقت آخر فرحت بإباحة ما منعت منه، فالصائم ترك شهواته لله بالنهار تقربا إليه وطاعة له فما تركها إلا بأمر ربه ولا عاد إليها إلا بأمر ربه فهو مطيع له في الحالين وأما فرحه عند لقاء ربه فيما يجده عند الله من ثواب الصيام مدخرًا فيجده أحوج ما كان إليه كما قال الله تعالى:{وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا}(٢) وقال تعالى: {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا}(٣) ومن فهم هذا الذي أشرنا إليه لم يتوقف في معنى فرح الصائم عند فطره فإن فطره على
(١) لطائف المعارف (ص ١٥٢ و ١٥٤). (٢) سورة المزمل، الآية: ٢٠. (٣) سورة آل عمران، الآية: ٣٠.