وروى مسلم عن عامر بن سعد، قال:" كان سعد بن أبي وقّاص في إبله، فجاءه ابنه عُمَرُ فلمَّا رآه سَعْدٌ، قال: أعوذ بالله من شرّ هذا الرّاكب، فنزل، فقال له: أنَزَلْتَ في إبلك وغنمك وتركتَ النّاس يتنازعون الملك بينهم، فضرب سَعْدٌ في صَدْره، فقال: اسْكتْ سمعْتُ رسول الله يقول: " إنَّ الله يُحبُّ العبْدَ التَّقيَّ الغنيَّ الخَفيَّ " (١).
ومنهم عبد الله بن عمرو بن العاص، فقد أخرج أحمد بسند صحيح عن عبد الله بن عمرو بن العاص، قال: " إنّ أبي شكاني إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فقال لي رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: أطع أباك ما دام حيّاً ولا تَعْصِه، فأنا معكم ولست أقاتل " (٢).
وممّن اعتزل عبد الله بن عمر ـ رضي الله عنهما ـ، أخرج البخاري عن سعيد بن جُبَيْر، قال: " خرج علينا عبد الله بن عمر فرجونا أن يُحَدِّثنا حديثاً حسناً، قال: فبادَرَنَا إليه رجلٌ، فقال: يا أبا عبد الرّحمن، حدِّثْنا عن القتال في الفتنة، والله يقول: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ ... (٣٩)} [الأنفال] فقال: هلْ تدْري ما الفتنةُ ـ ثَكلتْكَ أمُّكَ ـ إنّما كان محمّد يُقاتلُ المشركين وكان الدُّخول في دينهم فتنة وليس كقتالكم على الملك " (٣).
ولرُبَّ محتجّ يحتجُّ علينا يقول: ها هي الأحاديث صريحة في أنّهم كانوا يُقاتلون على الملك؟!
قلنا: هذا الحديث لا يراد به القتال الّذي وقع في الجمل وصفّين، فابن عمر لا يعني
(١) مسلم " صحيح مسلم بشرح النّوويّ " (م ٩/ج ١٨/ص ١٠٠) كتاب الزّهد. (٢) أحمد " (ج ٦/ص ١٠٧/رقم ٦٥٣٨)، وأورده الهيثمي في " مجمع الزّوائد " (ج ٧/ ص ٢٤٤) وقال: رواه أحمد ورجاله ثقات، وابن حجر في " المطالب العالية " (م ١٨/ص ١٧٠/رقم ٤٤١٧) وقال المحقّق: صحيح بهذا الإسناد. وقد وقفت على روايات ضعيفة تشير إلى أنّه قاتل ورواية أحمد تردّها، والله أعلم. (٣) البخاريّ " صحيح البخاريّ " (م ٤/ج ٨/ ص ٩٤) كتاب الفتن.