وبهذا يتبين أنه لا حاجة لما ذكره بعض المتأخرين من أن الفقهاء نظروا إلى مآل الوصية فسموها عقدًا (١) على أن هذا لا يصح أيضاً؛ لأن من الوصايا ما لا يحتاج إلى قبول أصلا، لا ابتداء ولا بعد الموت، كالوصايا للفقراء، ومن لا يتأتى منه القبول.
وأجيب عن هذا الاعتراض: بخروج الوصية بالدين من التعريف، فهو اعتراض في غير محله؛ لأن الوصية بالدين هي إقرار، وليست وصية، وإطلاق لفظ الوصية عليها مجاز، فيجب إخراجها من تعريف الوصية، ولهذا إذا أقر المدين بالدين فإنه يلزمه بمجرد إقراره، ويخرج من رأس المال، ولا يتوقف على موت الموصي؛ لأنه إقرار فيعطي حكمه، لا حكم الوصية (٢).
ومن تعاريف الشافعية:«تبرع بحق مضاف إلى ما بعد الموت ولو تقديرا، ليس بتدبير، ولا تعليق عتق على صفة»(٣).
قوله:«تبرع» لفظ التبرع أخص من لفظ التمليك؛ لأنه شامل للتمليك بعوض، وبغير عوض، فخرج منه:
التمليك بطريق المعاوضة، من بيع وإجارة، وغير ذلك من المعاوضات.
وبقي داخلا في التعريف جميع التبرعات من هبة، أو صدقة، أو وقف.
قوله:«مضاف لما بعد الموت» خرج به: التبرع الناجز في الحياة، من هبة وصدقة، وغيرهما.
وقوله:«ولو تقديراً» لأجل الشُّمُول نحو أوْصَيْت له بكذا، فإنَّ بعد الموت مُقَدَّرًا معه، وقول بعضهم: ليشمل التبرع في مرض الموت فإنه مُعْتَبَر
(١) الوصايا والتنزيل نفسه. (٢) المصدر السابق. (٣) فتح الوهاب ٢/ ٢١، فتح المعين ٢/ ٢٣٤، تحفة الطلاب ٢/ ٧٢، الإقناع في حل ألفاظ أبي شجاع ٢/ ٥٦ و ٥٧.