غصب أموالا، ثم تاب وتعذر عليه ردها إلى أصحابها، أو إلى ورثتهم لجهله بهم، أو لانقراضهم، أو لغير ذلك، فاختلف في توبة مثل هذا:
فقالت طائفة: لا توبة له إلا بأداء هذه المظالم إلى أربابها، فإذا كان ذلك قد تعذر عليه فقد تعذرت عليه التوبة، والقصاص أمامه يوم القيامة بالحسنات والسيئات ليس إلا، قالوا: فإن هذا حق للآدمي لم يصل إليه، والله سبحانه لا يترك من حقوق عباده شيئا، بل يستوفيها لبعضهم من بعض ولا يجاوزه ظلم ظالم، فلا بد أن يأخذ للمظلوم حقه من ظالمه ولو لطمة ولو كلمة ولو رمية بحجر، قالوا: وأقرب ما لهذا في تدارك الفارط منه أن يكثر من الحسنات ليتمكن من الوفاء منها يوم لا يكون الوفاء بدينار ولا بدرهم فيتجر تجارة يمكنه الوفاء منها، ومن أنفع ما له الصبر على ظلم غيره له وأذاه وغيبته وقذفه، فلا يستوفي حقه في الدنيا ولا يقابله ليحيل خصمه عليه إذا أفلس من حسناته، فإنه كما يؤخذ منه ما عليه يستوفى أيضا ما له، وقد يتساويان، وقد يزيد أحدهما عن الآخر.
ثم اختلف هؤلاء في حكم ما بيده من الأموال:
فقالت طائفة: يوقف أمرها ولا يتصرف فيها ألبتة.
وقالت طائفة: يدفعها إلى الإمام أو نائبه؛ لأنه وكيل أربابها فيحفظها لهم، ويكون حكمها حكم الأموال الضائعة.
وقالت طائفة أخرى: بل باب التوبة مفتوح لهذا ولم يغلقه الله عنه، ولا عن مذنب، وتوبته أن يتصدق بتلك الأموال عن أربابها، فإذا كان يوم استيفاء الحقوق كان لهم الخيار بين أن يجيزا ما فعل وتكون أجورها لهم، وبين أن لا يجيزوا ويأخذوا من حسناته بقدر أموالهم ويكون ثواب تلك الصدقة له؛ إذ لا يبطل الله سبحانه ثوابها ولا يجمع لأربابها بين العوض والمعوض فيغرمه إياها ويجعل أجرها لهم، وقد غرم من حسناته بقدرها.