«تكرر من الفقهاء الاستدلال على وجوب ما ذكر في الحديث، وعدم وجوب ما لم يذكر فيه. فأما وجوب ما ذكر فيه: فلتعلق الأمر به، وأما عدم وجوب غيره: فليس ذلك لمجرد كون الأصل عدم الوجوب، بل لأمر زائد على ذلك. وهو أنَّ الموضع موضع تعليم، وبيان للجاهل، وتعريف لواجبات الصلاة، وذلك يقتضي انحصار الواجبات فيما ذكر. ويقوِّي مرتبة الحصر: أنه ﷺ ذكر ما تعلقت به الإساءة من هذا المصلي، وما لم تتعلق به إساءته من واجبات الصلاة، وهذا يدلُّ على أنه لم يقصر المقصود على ما وقعت فيه الإساءة فقط. فإذا تقرَّر هذا: فكل موضع اختلف الفقهاء في وجوبه وكان مذكورًا في هذا الحديث فلنا أن نتمسك به في وجوبه. وكلُّ موضع اختلفوا في وجوبه، ولم يكن مذكورًا في هذا الحديث فلنا أن نتمسك به في عدم وجوبه؛ لكونه غير مذكور في هذا الحديث على ما تقدم، من كونه موضع تعليم. وقد ظهرت قرينة مع ذلك على قصد ذكر الواجبات»(١).
ومما سبق يظهر جليًّا أنَّ الحديث أصلٌ في أركان الصلاة عند الشافعيَّة. وقد نصَّ الماوردي على أصالة حديث المسيء صلاته في صفة الصلاة (٢).
وأما الحنابلة: فإنَّ سبب انفرادهم بالقول بركنية أو وجوب جملة من أفعال الصلاة وأقوالها أنهم جعلوا فعل النبي ﷺ ومداومته دليل على الوجوب لقوله:
(١) إحكام الأحكام شرح عمدة الأحكام (١/ ٢٥٧). (٢) انظر: الحاوي الكبير (٢/ ١١٧، ١١٨)، وذكر أيضًا أن حديث أبي حميد ﵁ أصل كذلك في الصلاة. إذ يقول: «اعلم أنَّ صفة الصلاة وهيئات أركانها مأخوذة من خبرين هما العمدة في الصلاة، أحدهما: حديث [أبي] حميد الساعدي ﵁، والثاني: تعليم رسول الله ﷺ الصلاةَ الأعرابي» وحديث أبي حميد أخرجه البخاري في (كتاب الأذان، باب سنة الجلوس في التشهد) (١/ ١٦٥) رقم (٨٢٨). وقد وقع في المطبوع خطأ، فجاء في النص (ابن) بدل (أبي).