لَكِنَّهُ كَانَ لِلطِّفْلِ الْيَتِيمِ الْفَقِيرِ عَمٌّ عَلَى حَظٍّ كَبِيرٍ مِنْ وَفْرَةِ (١) الْغِنَى، وَبَسْطَةِ الْعَيْشِ …
وَلَمْ يَكُنْ لِعَمِّهِ هَذَا وَلَدٌ يُزَيِّنُ حَيَاتَهُ … أَوْ عَقِبٌ يَرِثُ أَمْوَالَهُ …
فَأُولِعَ بِابْنِ أَخِيهِ الصَّغِيرِ، وَأَنْزَلَهُ مِنْ نَفْسِهِ وَمَالِهِ مَنْزِلَةَ الْوَلَدِ مِنْ أَبِيهِ.
* * *
شَبَّ الْغُلَامُ "الْمُزَنِيُّ" فِي أَحْضَانِ جَبَلِ "وَرْقَانَ" الْمُونِقَةِ (٢) الْمُورِقَةِ؛ فَخَلَعَ (٣) عَلَيْهِ الْجَبَلُ النَّضِيرُ رِقَّةً مِنْ رِقَّتِهِ …
وَأَسْبَغَ (٤) عَلَيْهِ صَفَاءً مِنْ صَفَائِهِ …
فَنَشَأَ مُرْهَفَ الْحِسِّ، صَافِيَ النَّفْسِ، نَقِيَّ الْفِطْرَةِ …
فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبًا آخَرَ لأَنْ يَزْدَادَ عَمُّهُ وَلَعًا (٥) بِهِ، وَإِيثَارًا لَهُ (٦).
وَعَلَى الرَّغْمِ مِنْ أَنَّ الْفَتَى "الْمُزَنِيَّ" قَدْ بَلَغَ مَبْلَغَ الرِّجَالِ.
فَإِنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ بِالدِّينِ الْجَدِيدِ، وَلَمْ يَصِلْ إِلَى عِلْمِهِ شَيْءٌ مِنْ أَخْبَارِ صَاحِبِهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ.
وَقَدِ اسْتَطَالَ ذَلِكَ حَتَّى سَعِدَتْ "يَثْرِبُ" بِيَوْمِهَا الْمُبَارَكِ الْأَغَرِّ الَّذِي قَدِمَ فِيهِ الرَّسُولُ الْأَعْظَمُ ﷺ عَلَيْهَا مُهَاجِرًا.
فَطَفِقَ (٧) الْفَتَى "الْمُزَنِيُّ" يَتَتَبَّعُ أَخْبَارَ الرَّسُولِ الْكَرِيمِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَيَتَسَقَّطُ (٨) أَحْوَالَهُ؛ حَتَّى إِنَّهُ كَثِيرًا مَا كَانَ يَمْكُثُ (٩) سَحَابَةَ
(١) وفرة: سعة وكثرة.(٢) المونقة: المزهرة النّضرة.(٣) فخلع عليه: ألبسه ومنحه.(٤) أسبغ: أطال وأوسع.(٥) وَلَعًا: حبًا شديدًا.(٦) إيثارًا له: تفضيلًا له عَلَى غَيْره.(٧) طفق: جعل يفعل كذا.(٨) يتسقط: يتحسس ويبحث.(٩) يمكث: يبقى.
مشروع مجاني يهدف لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
لدعم المشروع: https://mail.shamela.ws/page/contribute