فَيَلِجُونَ (١) فِي إِيذَائِهِ، وَيُمْعِنُونَ فِي تَعْذِيبِهِ …
وَكَانَ الطَّاغِيَةُ الْجَبَّارُ أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ إِذَا مَلَّ مِنْ تَعْذِيبِهِ طَوَّقَ عُنُقَهُ بِحَبْلٍ غَلِيظٍ، وَأَسْلَمَهُ إِلَى السُّفَهَاءِ وَالْوِلْدَانِ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَطُوفُوا بِهِ فِي شِعَابِ مَكَّةَ، وَأَنْ يَجُرُّوهُ فِي أَبَاطِحِهَا …
فَكَانَ بِلَالٌ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ يَسْتَعْذِبُ (٢) الْعَذَابَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَرَسُولِهِ، وَيُرَدِّدُ عَلَى الدَّوَامِ نَشِيدَهُ الْعُلْوِيَّ: أَحَدٌ أَحَدٌ … أَحَدٌ أَحَدٌ …
فَلَا يَمَلُّ مِنْ تَرْدَادِهِ، وَلَا يَشْبَعُ مِنْ إِنْشَادِهِ.
* * *
وَقَدْ عَرَضَ أَبُو بَكْرِ الصِّدِّيقُ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ عَلَى أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ أَنْ يَشْتَرِيَهُ مِنْهُ فَأَغْلَى بِهِ الثَّمَنَ، وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ لَا يَأْخُذُهُ …
فَاشْتَرَاهُ مِنْهُ بِتِسْعِ أَوَاقٍ مِنَ الذَّهَبِ …
فَقَالَ لَهُ أُمَيَّةُ بَعْدَ أَنْ تَمَّتِ الصَّفْقَةُ: لَوْ أَبَيْتَ أَحْذَهُ إِلَّا بِأُوقِيَّةٍ لَبِعْتُهُ.
فَقَالَ لَهُ الصِّدِّيقُ:
لَوْ أَبَيْتَ بَيْعَهُ إِلَّا بِمِائَةٍ لَاشْتَرَيْتُهُ …
وَلَمَّا أَخْبَرَ الصِّدِّيقُ الرَّسُولَ صَلَوَاتُ اللهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ بِاشْتِرَائِهِ بِلَالًا، وَإِنْقَاذِهِ مِنْ أَيْدِي مُعَذِّبِيهِ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ ﵊:
(الشَّرِكَةَ (٣) يَا أَبَا بَكْرٍ).
فَقَالَ لَهُ الصِّدِّيقُ رِضْوَانُ اللهِ عَلَيْهِ: "لَقَدْ أَعْتَقْتُهُ يَا رَسُولَ اللهِ".
* * *
وَلَمَّا أَذِنَ اللهُ لِنَبِيِّهِ ﷺ بِالْهِجْرَةِ إِلَى الْمَدِينَةِ … هَاجَرَ بِلَالٌ رِضْوَانُ اللهِ
(١) يَلِجُونَ: يتعمقون في الإيذاء.
(٢) يَسْتَعْذِبُ الْعَذَابَ: يجد العذاب عذبًا.
(٣) الشَّرِكَةَ يَا أَبَا بَكْرٍ: أَي شَارِكْنِي فِيه.