للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث / الرقم المسلسل:

وَمُنْذُ ذَلِكَ الْيَوْمِ انْضَمَّ إِلَى مَوْكِب الدَّعْوَةِ فَارِسٌ بَاسِلٌ فِي سَاحَاتِ الْقِتَالِ، عَبَّادٌ قَوَّامٌ قَرَّاءٌ لِكِتَابِ اللَّهِ فِي الْمَسَاجِدِ؛ فَقَدْ كَانَ يَضَعُ الْمُصْحَفَ عَلَى وَجْهِهِ وَيَقُولُ:

كِتَابُ رَبِّي … كَلَامُ رَبِّي … وَهُوَ يَبْكِي مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ.

* * *

بَرَّ عِكْرِمَةُ بِمَا قَطَعَهُ لِلرَّسُولِ مِنْ عَهْدٍ، فَمَا خَاضَ الْمُسْلِمُونَ مَعْرَكَةً بَعْدَ إِسْلَامِهِ إِلَّا وَخَاضَهَا مَعَهُمْ، وَلَا خَرَجُوا فِي بَعْثٍ إِلَّا كَانَ طَلِيعَتَهُمْ.

وَفِي يَوْمِ "الْيَرْمُوكِ" أَقْبَلَ عِكْرِمَهُ عَلَى الْقِتَالِ إِقْبَالَ الظَّامِئُ عَلَى الْمَاءِ الْبَارِدِ فِي الْيَوْمِ الْقَائِظِ.

وَلَمَّا اشْتَدَّ الْكَرْبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي أَحَدِ الْمَوَاقِفِ، نَزَلَ عَنْ جَوَادِهِ وَكَسَرَ غِمَّدَ سَيْفِهِ، وَأَوْغَلَ (١) فِي صُفُوفِ الرُّومِ، فَبَادَرَ إِلَيْهِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ وَقَالَ:

لَا تَفْعَلْ يَا عِكْرِمَةُ؛ فَإِنَّ قَتْلَكَ سَيَكُونُ شَدِيدًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ.

فَقَالَ: إِلَيْكَ عَنِّي (٢) يَا خَالِدُ … فَلَقَدْ كَانَ لَكَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ سَابِقَةٌ، أَمَّا أَنَا وَأَبِي فَقَدْ كُنَّا مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ، فَدَعْنِي أُكَفِّرْ عَمَّا سَلَفَ مِنِّي، ثُمَّ قَالَ:

لَقَدْ قَاتَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَأَفِرُّ مِنَ الرُّومِ الْيَوْمَ؟! …

إِنَّ هَذَا لَنْ يَكُونَ أَبَدًا.

ثُمَّ نَادَى فِي الْمُسْلِمِينَ:

مَنْ يُبَايِعُ عَلَى الْمَوْتِ؟ فَبَايَعَهُ عَمُّهُ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ، وَضِرَارُ بْنُ


(١) أوغل في صفوف الرُّوم: دخل بعيدًا في صفوفهم.
(٢) إليك عني: دعني واتركني.

<<  <  ج: ص:  >  >>