وكلمات القوم التي لم أسمعها مدَّة عمري، فتحققت أنَّه عارف بالله ولي من أولياء الله، يستفيض المعاني من المبدأ الفياض بلا واسطة، فإنّه حفظ القرآن في زمان طفوليته فقط، ثم لم يقرأ من (كتب قط)(١)، وكان تاجرًا، فوفِّق لهذه الطريقة كما ذكرته آنفًا. ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء.
ثم قال: نلْتَ (٢) منصب التَّدريس سمعْتُ كذا، بارك الله لك فيه، ووفَّقك بالعمل، ولك أيضًا مناصب مهيَّأة من التدريس والقضاء، وفَّقك الله فيها، تنال إن شاء الله ولا تشوش خاطرك في طلبها وملازمتها، فإنَّ الرزق معك، ولكن أوصيك بتقوى الله تعالى في السرِّ والعلانية، وباهتمام طريقك وهذه الطريقة، فإنَّ طريقة مشايخنا أحسن الطريقة، فإنَّهم (٣) السَّالكون لطريق الشَّرع، وكانوا في جميع حركاتهم وسكناتهم في ظاهرهم موافقين للشَّريعة، تابعين لأهل السنَّة والجماعة، (وفي باطنهم)(٤) مقتبسين من مشكاة النبوة.
وإيَّاك والإنكار في طريقة أول شريطتها (٥) تطهير القلوب عمَّا سوى الله، وتحريمها استغراق القلوب بذكر الله، وآخرها الفناء بالكليَّة في الله ﷿، وقد أمر الله تعالى برسوله وقال: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: ٢٨].