أبي بكر ومعي أبي وأخي وبعض أحبَّائي (١)، فركبنا أفراسًا وقت الضحوة، فنزلنا فيها قبيل الزَّوال، فإذا أنواع الأطعمة حاضرة، فتعجبنا وقلنا: ما الداعي بإحضار هذه الأطعمة في هذا الوقت على خلاف المعتاد، قالوا: إنّ الشَّيخ خرج إلينا بعد الإشراق، فأمر بإحضار الطعام وعيَّن هذه الأطعمة، وقال: يجيء الأضياف، فاستقبلوهم وأكرموهم، فجلسنا وأكلنا والحمد لله رب العالمين.
ولكن حدث في خاطري التشويش لعدم حضوره معنا في الطَّعام، وكنت أفكر في هذا إذ جاء ابن الشَّيخ، وقال: إنَّ أبي يقرئك السلام، ويدعوك إلى خلوته وحيدًا ليوصيك على بعض الأمور، فقلت: سمعًا وطاعة، وقمت وتبعت ابن الشَّيخ حتى جئنا إلى باب، فوقف ابن الشَّيخ، فأشار إليَّ أن أدخل، فدخلت من باب إلى سهوة، فرأيت الشَّيخ أبا بكر يقعد في ناحيتها متوجِّهًا إلى القِبْلة، فتقدَّمت إليه، وسلَّمت عليه، فالتفت إليَّ ورد السَّلام عليَّ، لكن لم يقم من مكانه، فأشار قبالته مكانًا، فجلست فيه.
وكان عادته أنه (٢) كلَّما زرته كان يقوم من مكانه ويستقبلني ويقدِّمني في مجلسه، ثم سكن وسكتُّ، وكأنه كان مراقبًا، ولم يتكلم، فتوقفت أمامه قدر ساعة، ثم إني لمَّا رأيته لا يكلِّمني قمْتُ لأودعه، فنظر إليَّ وقال: اقعد نصطحب ساعة، فقعدت مكاني، فسكت أيضًا ولم يتكلَّم ساعة، ثم بعد ذلك التفت إليَّ، وقال: ما معنى قول الله تعالى: ﴿بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ﴾ [الحديد: ١٣]؟ فقلت: أنتم بالتَّحقيق أعلم مني، ولكن المعنى الظاهري أنّ باطن الباب أو السور يلي الجنة التي هي محل الرَّحمة، وظاهر الباب أو السور يلي النَّار التي هي محل العذاب.
قال: نعم، قال: أرباب الظاهر كذلك، ثم شرع في التَّحقيق، فبثَّ المعارف