للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>
رقم الحديث / الرقم المسلسل:

فخرج من البلد، وسكن بعيد البلد المذكور بفرسخ، في جوار كنيسة فتحت أرضها عنوة، وتركت على حالها لبعدها عن العمران، يعرف ذلك الموضع بكِلِسَا بُورْنِي، وهو وراء جبل يشرف على البلدة المذكورة، فجعل حاكم البلدة وأميرها هذه الكنيسة مسجدًا، وعمَّرها ناظر العمال وأمين الخاصة، وبنى حولها حجرات ودورًا لسكنى الشَّيخ وأصحابه، وعيَّن له وظيفة لمعاشهم.

ورغب النَّاس إلى تعمير هذا الموضع، حتى إنَّ وجوه البلدة جرُّوا الأحجار فيه بظهورهم مع مدرِّس البلدة ومفتيها، ولكن كان طائفة من الوعاظ والأئمَّة والطلبة في طرف الإنكار والعناد، وهي قاعدة قديمة في حق أولياء الله، وكان الفقير في هذا الزَّمان من عداد الطلبة، ومعهم شريك في إنكارهم، فجرت بينهم قصة طويلة، وشهدوا آثار ولايته، فرجعوا وتابوا وأقرُّوا بولايته وكرامته.

وقد شاهدت فيه حالات عجيبة، وكرامات غريبة، فنعوذ بالله من إنكار أولياء الله، ولقد صدقنا أنَّ في عباد الله رجالًا لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، ثم سافرت معه بسفينة إلى قسطنطينية، وهو أول مسافرتي، وكنت في هذا الأوان في عنوان الشباب، فركبنا البحر، وكانت تجري الرِّياح على ما نشتهي، فجرت سفينتنا بريح طيبة إلى جانب برِّ قسطنطينية أربعة أيام.

ثم اضطرب البحر بريح عاصف، وتلاطمت الأمواج من كلِّ مكان، حتى يئس أهل السَّفينة وخافوا، وألقوا أكثر ما في السفينة إلى البحر، فبينا أنا في هذا الاضطراب - وكان الشَّيخ أبو بكر قُدِّس سرُّه يقعد عند الفقير في السَّفينة - إذ علا على السفينة موج عظيم، فلمَّا رأيته اشتدَّ خوفي، فنظر إليَّ الشيخ، وقال: لا تخف، قد ينجينا الله ونغدو في زاوية الحاج بابا، وهي في موضع مشرف على قصبة أركل، وتأكل اللَّبين والتِّين وقت الضُّحى إن شاء الله تعالى.

<<  <  ج: ص:  >  >>