فأمَّا حَديثُ ابنِ عبَّاسٍ فقدْ رَوى يَزيدُ بنُ الأصَمِّ عن مَيمونةَ «أنَّ النبيَّ ﷺ تزوَّجَها حَلالًا وبنَى بها حَلالًا وماتَتْ بِسَرفٍ في الظُّلةِ التي بنَى بها فيهَا» رواهُ أبو داودَ والأثرمُ.
وعن أبي رافِعٍ قالَ:«تزوَّجَ رسولُ اللهِ ﷺ مَيمونةَ وهو حَلالٌ، وبنَى بها وهو حَلالٌ، وكُنتُ أنا الرَّسولُ بينَهُما»، قالَ التِّرمذيُّ: هذا حَديثٌ حَسنٌ، ومَيمونةُ أعلَمُ بنَفسِها، وأبو رافِعٍ صاحِبُ القصَّةِ وهو السَّفيرُ فيها، فهُمَا أعلَمُ بذلكَ مِنْ ابنِ عبَّاسٍ وأَولى بالتَّقديمِ لو كانَ ابنُ عبَّاسٍ كَبيرًا، فكَيفَ وقد كانَ صَغيرًا لا يَعرفُ حَقائقَ الأمورِ ولا يَقفُ عليها؟ وقد أُنكِرَ عليهِ هذا القولُ.
وقالَ سَعيدُ بنُ المُسيِّبِ: وَهِمَ ابنُ عبَّاسٍ، ما تزوَّجَها النبيُّ ﷺ إلَّا حَلالًا، فكَيفَ يُعملُ بحَديثٍ هذا حالُه؟ ويُمكِنُ حَملُ قولِه:«وهو مُحرِمٌ» أي: في الشَّهرِ الحَرامِ أو في البَلدِ الحَرامِ، كما قيلَ: قَتلُوا ابنَ عفَّانَ الخَليفةَ مُحرِمًا.
وقيلَ: تزوَّجَها حَلالًا وأظهَرَ أمْرَ تَزويجِها وهو مُحرمٌ.
ثمَّ لو صَحَّ الحَديثانِ كانَ تَقديمُ حَديثِنا أَولى؛ لأنه قَولُ النبيِّ ﷺ وذلكَ فِعلُه، والقَولُ آكَدُ؛ لأنه يَحتملُ أنْ يكونَ مُختَصًّا بما فعَلَه، وعَقدُ النكاحِ يُخالِفُ شِراءَ الأمَةِ؛ فإنه يَحرمُ بالعدَّةِ والردَّةِ واختِلافِ الدِّينِ وكَونِ المَنكوحةِ أختًا له مِنْ الرَّضاعِ ويُعتبَرُ له شُروطٌ غيرُ مُعتبَرةٍ في الشِّراءِ.