للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

النكاحِ تصرُّفًا نافِعًا مُتضمِّنًا مَصلحةَ الدِّينِ والدُّنيا وحاجَتَها إليهِ حالًا ومَآلًا، وكَونِها عاجِزةً عن إحرازِ ذلكَ بنَفسِها، وكَونِ الأبِ قادرًا عليه، وبالبُلوغِ عن عَقلٍ زالَ العَجزُ حَقيقةً وقدَرَتْ على التصرُّفِ في نَفسِها حَقيقةً، فتَزولُ وِلايةُ الغيرِ عنها وتَثبتُ الوِلايةُ لها؛ لأنَّ النيابةَ الشَّرعيةَ إنما تَثبتُ بطَريقِ الضَّرورةِ نَظرًا، فتَزولُ بزَوالِ الضَّرورةِ، مع أنَّ الحُريةَ مُنافِيةٌ لثُبوتِ الوِلايةِ للحُرِّ على الحُرِّ، وثُبوتُ الشَّيءِ مع المُنافي لا يكونُ إلا بطَريقِ الضَّرورةِ، ولهذا المعنَى زالَتِ الوِلايةُ عن إنكاحِ الصَّغيرِ العاقِلِ إذا بلَغَ وتَثبتُ الوِلايةُ له، وهذا المعنَى مَوجودٌ في الفَرعِ، ولهذا زالَتْ وِلايةُ الأبِ عن التصرُّفِ في مالِها وتَثبتِ الوِلايةُ لها، كذا هذا؛ فإنه لا وِلايةَ له أنْ يَتصرَّفَ في أقَلِّ شيءٍ مِنْ مالِ البِكرِ البالِغةِ إلا بإذنِها، وكُلُّ المالِ دونَ النَّفسِ، وإذا صارَتْ وَليَّ نَفسِها في النكاحِ لا تَبقَى مُوليًا عليها بالضَّرورةِ؛ لِمَا فيه مِنْ الاستحالةِ.

وأمَّا الآيةُ فالخِطابُ للأولياءِ بالإنكاحِ ليسَ يَدلُّ على أنَّ الوليَّ شَرطُ جَوازِ الإنكاحِ، بل على وِفاقِ العُرفِ والعادةِ بينَ الناسِ، فإنَّ النِّساءَ لا يَتولَّينَ النكاحَ بأنفُسِهنَّ عادةً؛ لِمَا فيه مِنْ الحاجةِ إلى الخُروجِ إلى مَحافِلِ الرجالِ، وفيه نِسبتُهنَّ إلى الوَقاحةِ، بل الأولياءُ همُ الذينَ يَتولَّونَ ذلكَ عليهنَّ برِضاهُنَّ، فخرَجَ الخِطابُ بالأمرِ بالإنكاحِ مَخرجَ العُرفِ والعادةِ على النَّدبِ والاستِحبابِ دونَ الحَتمِ والإيجابِ، والدَّليلُ عليهِ ما

<<  <  ج: ص:  >  >>