وذلكَ أنَّ الرّجُلَ كانَ إذا طلَّقَ امرأتَهُ فهُو أحَقُّ برَجعَتِها وإنْ طلَّقَها ثلاثًا، فنُسِخَ ذلكَ وقالَ: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ الآية (١).
قلتُ: هذا مرويٌّ عَنْ عائِشةَ وغَيرِ واحدٍ مِنَ السَّلفِ، ثمَّ ذكَرَ أبو داودَ حديثَ طاوسٍ، فقالَ: حدَّثَنا أحمَدُ بنُ صالحٍ، ثنا عَبدُ الرَّزاقِ، أبَنا ابنُ جُريجٍ، أخبَرَني ابنُ طاوسٍ عن أبيهِ أنَّ أبا الصَّهباءِ قالَ لابنِ عبَّاسٍ: «أتعلَمُ إنَّما كانَتِ الثَّلاثُ تُجعلُ واحدَةً على عهدِ النَّبيِّ ﷺ وأبي بكرٍ وثلاثًا من إمارَةِ عُمرَ؟ قالَ ابنُ عبَّاسٍ: نَعَمْ» (٢).
وكأنَّهُ -واللهُ أعلَمُ- ذكرَهُ أبو دَاودَ هُنا لقَولِ مَنْ قالَ: إنَّ هَذا الحديثَ مَنسوخٌ، وإنِّهُ كانَ هذا حُكمَهُ لمَّا كانَ الطَّلاقُ بغَيرِ طلاقٍ.
وهذا مِنْ جُملةِ ما حُمِلَ عليهِ هذا الحَديثُ، وفي كَلامِ الشَّافعيِّ إشارةٌ إلى هذا، لكنْ مِنَ المَعلومِ أنَّ ذلكَ المَنسوخَ لَم يَكنْ مَحصُورًا بِثلاثٍ، بَلْ كانَ إذا طلَّقَها أكثرَ مِنْ ثَلاثٍ راجَعَها بغَيرِ اختِيارِها، وكانَ إذا طلَّقَها ثَلاثًا مُفْتَرِقاتٍ كلَّ واحدَةٍ بعْدَ رَجعةٍ أو عَقدٍ جَديدٍ لهُ أنْ يُراجِعَها، وهذا هوَ المَنسوخُ بِلا رَيبٍ، وأمَّا كَونُ الثَّلاثِ تُجعَلُ واحدَةً فهذا حُكمٌ غيرُ الحُكمِ المَنسُوخِ؛ إذِ المَنسوخُ لَم تُجعَلِ الثَّلاثُ فيهِ واحدَةً، ولا كانَ الطَّلاقُ مَقصُورًا على ثَلاثٍ، بلِ الثَّلاثُ والخَمْسُ والعَشْرُ والواحدَةُ كانَتْ فيهِ سَواءً.
(١) حَسَنٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٢١٩٥).(٢) حَدِيثٌ صَحِيحٌ: رواه أبو داود (٢٢٠٠).
مشروع مجاني يهدف لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
لدعم المشروع: https://mail.shamela.ws/page/contribute