للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

الثَّلاثِ، ولا عنِ النَّبيِّ ما يَدلُّ على ذلكَ، فإنَّ حديثَ فاطِمةَ بنْتِ قَيسٍ إنَّما فيهِ أنَّ زوْجَها طلَّقَها آخِرَ ثَلاثِ تَطليقاتٍ، وحَديثُ المُلاعنَةِ لمَّا طلَّقَها ثَلاثًا إنَّما فيهِ طلاقُ مَنْ لا سَبيلَ لهُ إلى المُقامِ مَعها، وهذا كما لو طلَّقَ مَنْ حَرُمَتْ عَليهِ بغَيرِ الطَّلاقِ ثَلاثًا، وطَلاقُ هذهِ زيادةُ تَوكيدٍ في مُفارَقتِها، بلْ هوَ لغوٌ لَم يُوجِبِ الفُرقَةَ الَّتي يُوجِبُها الطَّلاقُ، بلْ وُجودُه كعدَمِه، والطَّلاقُ الثَّلاثُ حُرِّمَتْ عليهِ ليكونَ لهُ سَبيلٌ إلى رَجعتِها، وهذا المعنَى مُنْتَفٍ في حَقِّ هذهِ، ولو قُدِّرَ أنَّهُ فعَلَ مُنكَرًا؛ فالمُنكَرَ إذا بيَّنَ اللهُ ورَسولُه أنَّه مُنكَرٌ لم يَجبْ بَيانُ ذلكَ في كُلِّ مَجلسٍ، وهذا جَوابٌ ثانٍ عَنْ حَديثِ فاطِمةَ بنتِ قَيسٍ، فليسَ مَعهُم إلَّا مُجرَّدُ سُكوتِ النَّبيِّ ، وهو إذا بيَّنَ تَحريمَ الشَّيءِ لم يَكنْ سُكوتُه عَنْ إنكارِه كلَّ وقتٍ دليلًا على الجَوازِ.

الوجهُ التَّاسِعَ عَشرَ: أنَّ اللهَ حرَّمَها عَليهِ بعْدَ الطَّلقةِ الثَّالثةِ حتَّى تَنكحَ زَوجًا غيْرَه، ولم يُبِحْ لهُ أنْ يُطلِّقَها رابعةً، وهذا عُقوبةً لهُ، كما قالَ تعَالى: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾، وقوله: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ﴾، فنَها إذا حُرِّمَتْ عَليهِ حتَّى تَنكحَ زَوجًا غيْرَهُ لم يَكنْ قادِرًا على تَزوُّجِها ولو رَضيَتْ بهِ، بلْ مِنَ المُمكِنِ أنَّها لا تَتزوَّجُ بغَيرِه، أو تَتزوَّجُ بمَنْ لا يُطلِّقُها، ومِن طبْعِ الإنسانِ أنَّهُ يكرَهُ أنْ تَتزوَّجَ امرأتُهُ بغَيرِه، ولهذا حُرِّمَ على غَيرِ النَّبيِّ أنْ تُنكَحَ أزواجُهُ مِنْ بَعدْهِ؛ إكرامًا لِلنَّبيِّ

<<  <  ج: ص:  >  >>