للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

<<  <  ج: ص:  >  >>

ابنِ وهْبٍ: أخبَرَني مَخرَمةُ عن أبيهِ: سَمعْتُ مَحمودَ بنِ لَبيدٍ قالَ: أُخبِرَ رَسولُ اللهِ عن رجُلٍ طلَّقَ امرأتَهُ ثلاثَ تطليقاتٍ جَميعًا، فقامَ غَضبانًا ثمَّ قالَ: أيُلعَبُ بكتابِ اللهِ وأنا بيْنَ أظْهُرِكُم؟ حتَّى قامَ رَجُلٌ وقالَ: يا رسُولَ اللهِ ألَا أقتلُهُ؟» (١).

الوجهُ الرَّابعَ عشَرَ: أنهُ قالَ: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ﴾، وهذهِ النِّعمةُ تَظهَرُ فيما إذا وقَعَ للعَبدِ أنْ يُطلِّقَها مرَّةً بعْدَ مرَّةٍ، وأنْ يُراجِعَها بعْدَ التَّطلِيقِ، فأمَّا إذا حرَّمَها عليهِ في أوَّلِ تَطليقٍ يُطلِّقُهُ فهذهِ حُرِّمَتْ عَليهِ في أوَّلِ مرَّةٍ، وتَحريمُ الطيِّباتِ ليسَ مِنْ بابِ النِّعَمِ، بلْ قدْ جعَلَهُ عذابًا بقَولهِ: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾، وقولِهِ: ﴿ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ﴾.

الوجهُ الخامِسَ عشَرَ: قولُهُ: ﴿وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُمْ بِهِ﴾، والوعظُ هوَ الأمرُ والنَّهيُ بتَرغيبٍ وتَرهيبٍ، كقَولهِ: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ﴾ أي: يُؤمَرُونَ بهِ، وقولِهِ: ﴿يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ﴾ أي: يَنهاكُمُ اللهُ، فدلَّ على أنَّهُ سبحانَهُ أمَرَهم ونهاهُم في الطَّلاقِ الَّذي ذكَرَهُ، ولو كانَ قدْ أباحَ لهُم الثَّلاثَ جميعًا لم يَكنْ فيما ذكَرَهُ مِنْ الطَّلاقِ أمْرٌ ولا نهيٌ، فإنَّهُ بعْدَ الثَّلاثِ لا إمساكَ ولا تَسريحَ ولا وعْظَ، وفاعِلُها إذا كانَ لَم يُذنِبْ فلا يُوعَظُ قبْلَ التَّطليقِ ولا بعْدَه، والقُرآنُ يَدلُّ على أنَّهُ وعَظَهُم فيما ذكَرَهُ مِنْ الطَّلاقِ.


(١) حَدِيثٌ ضَعِيفٌ: رواه النسائي (٣٤٠١).

<<  <  ج: ص:  >  >>