أحدها: أن الإشهاد فيهما واجب؛ لما فيه من الوثيقة، وفي تركه من التغرير. والوجه الثاني: أن الإشهاد فيهما مستحب؛ لأن الواجد مؤتمن، فلم يجب عليه الإشهاد كالوصي والمودع. والوجه الثالث: أن الإشهاد على التقاط المنبوذ واجب، والإشهاد على أخذ اللقطة ليس بواجب، والفرق بينهما: أن اللقطة كسب مال، فكان أمرها أخف، واللقيط يتعلق به نسب وإثبات حرية، فكان أمره أغلظ؛ ألا ترى أن البيع لما كان اكتساب مال لم يجب فيه الشهادة ولما كان النكاح مفضي إلى إثبات نسب وجبت فيه الشهادة» [وانظر: البيان للعمراني (٧/ ٥٢٤)].
وقال ابن عبد البر في التمهيد (٣/ ١٢٢): «معنى هذا الحديث عندي - والله أعلم -: أن ملتقط اللقطة إذا عرفها، وسلك فيها سنتها، ولم يكن مغيباً ولا كاتماً، وكان معلناً معرفاً وحصل بفعله ذلك أميناً؛ لا يضمن إلا بما يضمن به الأمانات. وإذا لم يعرفها، ولم يسلك بها سنتها، وغيب وكتم، ولم يعلم الناس أن عنده لقطة، ثم قامت عليه البينة بأنه وجد لقطة ذكروها، وضمها إلى بيته، ثم ادعى تلفها؛ ضمن؛ لأنه بذلك الفعل خارج عن حدود الأمانة، وبالله التوفيق».
وقال البغوي في شرح السنة (٨/ ٣١٥): «وهذا أمر تأديب وإرشاد، وذلك لمعنيين، أحدهما: ما لا يؤمن أن يحمله الشيطان على إمساكها، وترك أداء الأمانة فيها، والثاني: ربما تخترمه المنية، فتحوزها ورثته في جملة التركة، وقد قيل: الإشهاد واجب».
وقال ابن قدامة في المغني (٨/ ٣٠٩): «ولنا خبر زيد بن خالد، وأبي بن كعب، فإنه أمرهما بالتعريف دون الإشهاد، ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة، فلو كان واجباً لبينه النبي ﷺ سيما وقد سئل عن حكم اللقطة فلم يكن ليُخلَّ بذكر الواجب فيها، فيتعين حمل الأمر في حديث عياض على الندب والاستحباب، ولأنه أخذ أمانة، فلم يفتقر إلى الإشهاد كالوديعة، والمعنى الذي ذكروه غير صحيح، فإنه إذا حفظها وعرفها فلم يأخذها لنفسه، وفائدة الإشهاد: صيانة نفسه عن الطمع فيها، وكتمها، وحفظها من ورثته إن مات، ومن غرمائه إن أفلس» [وانظر: الذخيرة (٩/ ١٠٦)].
قلت: وكذلك ما يدل عليه فعل الصحابة عندما سئلوا عن اللقطة؛ فاقتصروا على الأمر بتعريفها سنة، ولم يأمروا أحداً بالإشهاد، هكذا ثبت عن: عمر، وابن عباس، وأبي هريرة، وعائشة، والله أعلم.
• كما احتج به الشافعي وابن المنذر على جواز الانتفاع باللقطة بعد تعريفها سنة، وعدم الإلزام بالتصدق بها؛ خلافاً لمالك وأبي حنيفة.
قلت: وفي قول النبي ﷺ: «فإن جاء ربها فهو أحق بها، وإلا فهو مال الله يؤتيه من يشاء»: دليل صريح على جواز تملك اللقطة بعد تعريفها سنة، وجواز الانتفاع والتصرف فيها، كما قد دل على ذلك: حديث أبي بن كعب، وحديث زيد بن خالد الجهني، ولم يأمر النبي ﷺ في حديث أحد منهم بالتصدق باللقطة؛ وإنما أباح لهم الاستمتاع بها،