عليه دفعها إلى من يأتي بصفتها لم يكن لمعرفة صفتها معنى، ولو كلف البينة لتعذر عليه، لأنه لا يعلم متى تسقط فيُشهد عليها من أجل ذلك.
واحتج الآخرون بقوله ﷺ:«البينة على المدعي»، وصاحب اللقطة مُدَّعِ فلا يستحقها إلا بالبينة، فأجابهم أهل المقالة الأولى فقالوا: البينة إنما تجب على المدعي إذا كان المدعى عليه ممن يدعي الشيء المدعى فيه لنفسه، والملتقط لا يدعي اللقطة لنفسه، ألا ترى أن الملتقط لو ادعي عليه اللقطة بغير صفة ولا بينة وأنكر لم يكن عليه يمين، فعلم بهذا أن البينة إنما تجب في موضع يدعى عليه ذلك الشيء، وهو يدعيه لنفسه، … »، ثم أطال النفس في نقل أقوال أهل العلم في ذلك، والعمدة على ما ذكرناه، والله أعلم. [وانظر: الإشراف على نكت مسائل الخلاف (٢/ ٦٧٩)، المعونة للقاضي عبد الوهاب المالكي (١٢٦١)، الحاوي الكبير للماوردي (٨/٢٣)، الذخيرة (٩/ ١٠٥)].
• وقال ابن حزم في المحلى (٧/ ١١٠): «من وجد مالاً في قرية، أو مدينة، أو صحراء في أرض العجم، أو أرض العرب، العنوة أو الصلح مدفوناً أو غير مدفون؛ إلا أن عليه علامة أنه من ضرب مدة الإسلام، أو وجد مالاً قد سقط أي مال كان: فهو لقطة، وفرض عليه أخذه، وأن يشهد عليه عدلاً واحداً فأكثر، ثم يعرفه ولا يأتي بعلامته، لكن تعريفه هو أن يقول في المجامع الذي يرجو وجود صاحبه فيها أو لا يرجو: من ضاع له مال فليخبر بعلامته، فلا يزال كذلك سنة قمرية، فإن جاء من يقيم عليه بينة، أو من يصف عفاصه ويصدق في صفته، ويصف وعاءه ويصدق فيه، ويصف رباطه ويصدق فيه، ويعرف عدده ويصدق فيه، أو يعرف ما كان له من هذا؛ إما العدد والوعاء، إن كان لا عفاص له ولا وكاء، أو العدد إن كان منثوراً في غير وعاء: دفعها إليه؛ كانت له بينة أو لم تكن.
ويجبر الواجد على دفعه إليه، ولا ضمان عليه بعد ذلك؛ ولو جاء من يثبته ببينة. فإن لم يأت أحد يصدق في صفته بما ذكرنا ولا بينة فهو عند تمام السنة مال من مال الواجد؛ غنياً كان أو فقيراً، يفعل فيه ما شاء، ويورث عنه، إلا أنه متى قدم من يقيم فيه بينة أو يصف شيئاً مما ذكرنا فيصدق؛ ضمنه له؛ إن كان حياً، أو ضمنه له الورثة؛ إن كان الواجد له ميتاً».
وقال أيضاً (٧/ ١٢٠): «وهم مجمعون معنا على أن المدعى عليه إن أقر قضي عليه بغير بينة، فقد جعلوا للمدعي شيئاً غير الشاهدين أو يمين المدعى عليه، فإن قالوا: قد صح الحكم بالإقرار؟ قلنا: وقد صح دفع اللقطة بأن يصف المدعي وكاءها، وعددها، وعفاصها، ووعاءها، ولا فرق، وليس كل الأحكام توجد في خبر واحد، ولا تؤخذ من خبر واحد، ولكن تضم السنن بعضها إلى بعض ويؤخذ بها كلها»، ثم ألزم الأحناف بوجوب دفع اللقطة لمن أتى بصفتها؛ قياساً على نظائر عندهم كمثل: قبول شهادة امرأة واحدة في عيوب النساء، والولادة، وفي حكمهم للزوجين يختلفان في متاع البيت أن ما أشبه أن يكون للرجال كان للرجل مع يمينه، وما أشبه أن يكون للنساء كان للمرأة