ولمَّا أبيتُم أن تَزوروا وقُلتُمُ … ضَعُفنا فما نقوى على الوَخَدانِ (١)
أتيناكُمُ من بعد أرضٍ نزورُكم … وأشواقُنا تحْدو بِجَذْبِ عِنانِ (٢)
نُناشِدُكُمْ هل مِنْ قرًى لِنَزيلِكُم … بقرب جوارٍ (٣) لا بِمِلءِ جِفانِ
فكتبتُ إليه: [من الطويل أيضًا]
أرومُ نهوضًا ثم يَثْني عزيمتي … تاؤُّدُ (٤) أعضائي من الرَّجَفانِ
فضمَنتُ بيتَ ابنِ الرشيدِ كأنما … تعمَّدَ تشبيهي به وعَناني
أَهُمُّ بأمرِ الحزمِ لو أستطيعُهُ … وقد حِيلَ بين العَيرِ والنَّزَوانِ
ومعنى ابن الرشيد الأمين لمَّا احيط به في حصار طاهر تمثل بهذا البيت.
قلت: صوابه: ابن الشَّريد؛ فإن البيت لصخر بن الشَّريد (٥)، في جملة أبيات، والقصة مشهورة، وكون الأمين تَمَثَّلَ به، لا يُقال: بيت الرشيد، بمجرَّدِ تمثلِه به، والله أعلم.
قال: ثم نهضَ وقال: لا يقنع الصاحب مني هذا، ثم ركب دابةً إلى الخِيام، فوجدها مشتبِكَةً، فلم يصِلْ إليه، فصعد على تلٍّ ورفع صوته يقول أبي تمام: [من البسيط]
ما لي أرى القُبَّةَ الفيحاءَ مُقْفَلةً … دوني وقد طال ما استَفتحتُ مُقْفَلَها
كأنَّها جنَّةُ الفردوسِ مُعرِضَةً … وليسَ في عملٌ زَاكٍ فأدخُلَها
قال: فناداه الصاحب: ادخُلْها أبا أحمد، فلكَ السابقةُ الأولى. فتبادر [إليه] (٦) أصحابُه فحملوه حتى أجلسوه بين يديه، فسأله عن مسألةٍ، فقال [له] (٧) أبو أحمد: الخبير فصادفت. فقال الصاحب: يا أبا أحمد، تُغرِبُ في كلِّ شيء، حتى في المثل؟ فقال: حاشا مولانا من السقوط؛ لأن المثل: على الخبيرِ سَقَطْتَ، فغيَّر العبارة وأتى بالمقصود، وكانت وفاتُه يوم التروية بالبصرة.
(١) الوَخَدان: الإسراع في السير. المعجم الوسيط (وخد).
(٢) هكذا الشطر في (ب) و (خ)، وجاء في مصادر الترجمة، والخزانة ١/ ٤٣٧ - ٤٣٨، والوافي بالوفيات ١٢/ ٧٧: فكم منزلٍ بِكرٍ لنا وعَوانِ.
(٣) في المصادر السابقة: بملء جفون.
(٤) التأوُّد: الاعوجاج والانثناء. المعجم الوسيط (أود)، وفي الخزانة: تعوُّص. وفي باقي المصادر: تعوُّذ.
(٥) صخر بن الشريد هو أخو الخنساء الصحابية المعروفة.
(٦) ما بين حاصرتين زيادة من المصادر.
(٧) ما بين حاصرتين زيادة من (ب).