هارون لَأظهرتُ القولَ بخلق القرآان، فقال بعضُ جلسائه: يا أميرَ المؤمنين، ومَن يزيدُ بن هارون حتَّى يُتَّقى؟! فقال: أخاف إن يردَّ عليّ، فيختلف الناسُ وشكون فتنة، وأنا أكره الفتن. فقال له رجل: فأنا أختبر ذلك منه، قال: فافعل.
فخرج إلى واسط، ودخل على يزيدَ فقال له: يا أبا خالد، إنَّ أمير المؤمنين يُقرئك السلامَ ويقول: إنِّي أريد أن أُظهرَ القولَ بخلق القرآن، فقال له: إذا اجتمع الناسُ فأَعِد قولك إن كنتَ صادقًا. فلمَّا كان من الغد واجتمع النالس، قام الرجلُ فأعاد كلامَه، فقال له يزيد: كذبتَ على أمير المؤمنين، إنَّ أميرَ المؤمنين لا يحمل الناسَ على ما لا يعرفونه وما لم يقلْ به أحد.
قال: فقدم الرجلُ على المأمون فقال: يا أميرَ المؤمنين، أنت أعلم. وقصَّ عليه القِصَّة، فقال: ويحك، إنَّه تلاعب بك، ألم أقلْ لك؟
و [قال الخطيب:](١) كان يزيدُ يقول: لعن اللهُ جَهْمًا ومَن يقول بقوله، ولعن اللهُ مَن يقول: إنَّ القرآن مخلوق.
[قال:] وسأله قومٌ عن شيءٍ وهو ساكت، فأنشد:[من الوافر]
تركتَ عيادتي ونَسيتَ بِرِّي … وقِدْمًا كنتَ بي بَرًّا حَفِيّا
فما هذا التَّغافُلُ يا ابنَ عيسى … أظنُّك صرتَ بعدي واسِطيّا (٢)
يريد المثلَ السائر: تغافل كأنَّه واسطي.
و [قال الخطيب:](٣) قدم يزيدُ بغداد، فحدَّث بها، ورجع إلى واسط فتوفِّي بها [في هذه السَّنة] وهو ابنُ ثمانٍ وثمانين سنة في غُرَّة ربيعٍ الآخر، وكان يَخْضب بالحِنَّاء.
أسند عن [يحيى بنِ سعيد الأنصاري، وسليمانَ التَّيمي، وعاصمٍ الأحول، وحُمَيد الطويل، وداودَ بن أبي هند، وعبدِ الله بن عَوْن، وحسين المُعلِّم، وشعبة، والحمَّادَين، و] خلقٍ كثير.
(١) في تاريخه ١٦/ ٤٩٩ - ٥٠٠. وما بين حاصرتين من (ب). (٢) اضطرب المؤلف في النقل هنا، فليس في تاريخ بغداد ١٦/ ٥٠٢ - ٥٠٣ أن يزيد بن هارون أنشد البيتين، بل أوردهما الخطيب في حكاية أخرى ليبين بهما معنى المثل: تغافل كأنك واسطي؛ لأن جواب يزيد كان: إنا واسطيون. والبيتان أوردهما صاحب الخزانة ١١/ ١٣٧ وقال: وأنشد التنوخي لفضل الرقاشي … ثم ذكرهما. (٣) في تاريخه ١٦/ ٤٩٤. وما بين حاصرتين من (ب).