وما أحسبني إلَّا وقد دنت وفاتي، وحانَ أجلي، وما لي غير ربِّي، ثمَّ قام فاغتسلَ، وصلَّى ركعتين، وقال: قد عزمت على الحجّ، ثمَّ خرج ونحن معه حتَّى انتهى إلى الكوفة، فنزل النجف، وأمر بالرحيل بعد أيام، ثم قدَّم جنده وأثقاله، وبقيتُ أنا وهو في القصر، فقال: ائتني بفحمة، فأتيتُه بها، فكتب على الحائط شيئًا، وخرجَ فعدت إلى القصر كأنِّي أطلبُ شيئًا، وإذا به قد كتبَ على الحائط بالفحمة هذه الأبيات:[من مجزوء الكامل]
المرءُ يأملُ أنْ يعيـ … ــش وطولُ عَيشٍ قد يضرُّهْ
تفنى بشاشتُه ويحـ … ـــدثُ بعد حلو العيش مرُّه
وتضرُّه الأيام حتـ … ـى ما يرى شيئًا يسرُّه (١)
وروى ابنُ الأنباريِّ أيضًا بإسناده عن أبي إسحاق الخُتَّلي (٢) قال: لما حجَّ المنصور في آخر عمره، نزلَ بعض المنازل، فرأى كتابةً على الحائط، فقرأها فإذا هي هذه الأبيات:[من الطويل]
أبا جعفر حانت وفاتك وانقضت … سنوك وأمر الله لا بدَّ واقع
أبا جعفر هل كاهنٌ أو منجِّمٌ … لك اليومَ عن حَرِّ المنيَّة دافعُ (٣)
وقد رواها الخطيب أيضًا عن الربيع، إلَّا أنَّه قال: خرجَ المنصور يتبرَّز، فقضى حاجته، فإذا الريح قد ألقت إليه ورقة فيها مكتوب البيت الأول. قال الربيع: فناداني: يا ربيع، نُعيتْ إليَّ نفسي في رقعة، فقلت: لا والله ما أعرف رقعةً، ولا أدري ما هي! فمات في وجهِه ذلك.
وقال سليمان بن أبي شيح: حدَّثني أبي قال: خرجتُ مع المنصور حاجًّا في سنة ثمان وخمسين ومئة، فرأيتُ في منامي كأنَّ رأسًا قد قُطِع، فسألتُ عديلي سعيد بن خالد فقال: الرأسُ أبو جعفر، وما أراه إلَّا سيموت عن قريب، فمات.
وقال أبو اليقظان: جلسَ المنصورُ يبولُ بطريق مكَّة، فألقت إليه الريحُ ورقةً فيها:
(١) انظر المنتظم ٨/ ٢٢٠. (٢) المنتظم ٨/ ٢٢١. وفيه: الجيلي. بدل: الختلي. (٣) تاريخ بغداد ١١/ ٢٥٢.