وقد رَوَى ابنُ إسحاقَ هذا الحديث، عن عَمرِو بن شُعَيبٍ، عن أبيه، عن جدِّهِ، عنِ النَّبيِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مِثلهُ (١).
وقال الشّافِعيُّ (٢): ديةُ اليهُوديِّ والنَّصرانيِّ، ثُلُثُ ديةِ المُسلِم، وديةُ المجُوسيِّ، ثمانِ مئةِ دِرهم. وحُجَّتُهُ، أنَّ قولَهُ أقلُّ ما قيلَ في ذلك، والذِّمّةُ بريئةٌ، إلّا بيقينٍ أو حُجّةٍ.
وقال أبو حَنِيفةَ والثَّوريُّ وعُثمانُ البَتِّيُّ والحسنُ بن حَيٍّ: الدِّياتُ كلُّها سواءٌ، ديةُ المُسلِم، واليهُوديِّ، والنَّصرانيِّ، والمجُوسيِّ، والمُعاهَدِ، والذِّمِّيِّ (٣). وهُو قولُ سَعيدِ بن المُسيِّبِ، ومُجاهِدٍ، وعَطاءٍ، والزُّهْريِّ (٤).
قال أبو عُمر: الآثارُ في هذا البابِ مُختلِفةٌ، المرفُوعةُ منها والموقُوفةُ، واختِلافُ السَّلفِ في هذه المسألةِ، واعتِلالُهُم لأقاويلِهِم يَطُولُ ويَكثُرُ، وليسَ ذلك مِمّا يجِبُ الإتيانُ به على شَرْطِنا.
ولو ذكَرْنا ذلك، وذكرنا أُصُولَ مسائلِ القِصاصِ بين العَبيدِ والأحرارِ، والمُسلِمين والكُفّارِ، لخَرَجنا عمّا لهُ قَصَدْنا في تأليفِنا، ولكِنّا إنَّما تَعرَّضنا ليتبين ما في حَديثِنا في هذا البابِ من المعاني، واللَّه المُعينُ لا شريكَ لهُ.
ومِن أعلى ما رُوي من الآثارِ في دِياتِ الكُفّارِ، ما رَواهُ ابنُ إسحاق، عن عَمرِو بن شُعيبٍ، عن أبيه، عن جَدِّهِ، أنَّ رسُولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قال عامَ الفتح في خُطبتِهِ:"دِيةُ الكافِرِ المُعاهدِ، نِصفُ دِيةِ المُسلِم"(٥).
(١) سيأتي لاحقًا، وانظر تخريجه في موضعه. (٢) انظر: الأم ٦/ ١١٣. (٣) انظر: مختصر اختلاف العلماء ٥/ ١٥٥. (٤) انظر: مصنَّف عبد الرزاق (١٨٤٩١). (٥) أخرجه أحمد في مسنده ١١/ ٢٨٨ (٦٦٩٢)، وابن الجارود في المنتقى (١٠٥٢)، والبيهقي في الكبرى ٨/ ٢٩، والبغوي في شرح السنة (٢٥٤٣) من طريق ابن إسحاق، به مطولًا، وإسناده حسن. وانظر: المسند الجامع ١١/ ١٣٩ (٨٥٠٠).