للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

صار أمره إلى أن أخذه القُولَنْج. وحرص على بُرئِه حتّى حقن نفسه في يومٍ ثمان مرّات، فتقرَّح بعض أمعائه وظهر به سَحْج. وسار مع علاء الدّولة، فأسرعوا نحو ابينع، فظهر به هناك الصَّرَع الّذي قد يتبع علّة القُولَنْج. ومع ذلك كان يدبِّر نفسه ويحقن نفسه لأجل السَّحْج. فأمر يومًا باتّخاذ دانِقَيْن مِن بِزْرِ الكَرَفْس في جُملة ما يحتقن به طلبًا لكسر الرّياح، فقصد بعض الأطباء الذي كان هو يتقدم بمعالجته فطرح من بِزر الكَرَفْس خمسةَ دراهم. لستُ أدري عَمْدًا فعله أم خطأً، لأنّني لم أكن معه. فازداد السَّحْج به من حدَّة البِزْر.

وكان يتناول المثروديطوس لأجل الصَّرَع، فقام بعض غلمانه وطرح شيئًا كثيرًا من الأفيون فيه وناوله، فأكله. وكان سبب ذلك خيانتهم في مالٍ كثير من خزائنه، فتمنَّوا هلاكه ليأمنوا. فنُقِل الشّيخ إلى أصبهان وبقي يدبّر نفسه. واشتدّ ضَعْفُه. ثمّ عالج نفسه حتّى قدر على المشْي، لكنّه مع ذلك يُكثر المجامعة، فكان ينتكس.

ثمّ قصد علاء الدّولة هَمَذان، فسار الشّيخ معه فعاودته تلك العلّة في الطّريق إلى أن وصل إلى همذان، وعلم أنه قد سقطت قوّته، وأنّها لا تفي بدفع المرض، فأهمل مداواة نفسه، وأخذ يقول: المدبر الذين كان يدبّر بدني قد عجز عن التّدبير، والآن فلا تنفع المعالجة. وبقي على هذا أيّامًا، ومات عن ثلاثٍ وخمسين سنة.

انتهى قول أبي عُبَيْد.

وقبره تحت سُور هَمَذان، وقيل: إنه ننقل إلى إصبهان بعد ذلك.

قال ابن خِلِّكان في ترجمة ابن سِينَا: ثمّ اغتسل وتاب وتصدّق بما معه على الفقراء، وردّ المظالم على مَن عَرَفه، وأعتق مماليكه. وجعل يختم كلّ ثلاثة أيّام ختمة، ثمّ مات بهَمَذان يوم الجمعة في رمضان.

ووُلِد في صَفَر سنة سبعين وثلاثمائة.

قال: وكان الشّيخ كمال الدّين بن يونس يقول: إنّ مخدومه سخط عليه ومات في سجنه.

وكان ينشد:

رأيتُ ابن سِينَا يعادي الرّجالَ ... وفي السّجنِ مات أخسَّ المماتِ

فلم يَشْفِ ما نابَهُ بالشّفا ... ولم يَنْجُ من موته بالنجات