وَأَنَّكِ لَوْ قَطَعْتِ يَدِي وَرِجْلِي ... لَقُلْتُ مِنَ الرِّضَا: أَحْسَنْتِ زِيدِي
وَالْمَهْدِيُّ كَغَيْرِهِ مِنْ عُمُومِ الْخَلائِفِ وَالْمُلُوكِ، لَهُ مَا لَهُمْ، وَعَلَيْهِ مَا عَلَيْهِمْ، كَانَ مُنْهَمِكًا فِي اللَّذَّاتِ وَاللَّهْوِ وَالْعَبِيدِ، ولكن مُسْلِمٌ خَائِفٌ مِنَ اللَّهِ، قَدْ تَتَّبَعَ الزَّنَادِقَةَ وَأَبَادَ خَلْقًا مِنْهُمْ.
فَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ مُقَدَّمٍ الواسطيّ، عن أبيه: أنّ المهديّ قال لابنه الْهَادِي يَوْمًا - وَقَدْ قُدِّمَ إِلَيْهِ زِنْدِيقٌ فَاسْتَتَابَهُ فَلَمْ يَتُبْ فَضَرَبَ عُنُقَهُ: يَا بُنَيَّ إِنْ وُلِّيتَ فَتَجَرَّدْ لِهَذِهِ الْعِصَابَةِ، يَعْنِي أَصْحَابَ مَانِي، فَإِنَّهُمْ يَدْعُونَ إِلَى ظَاهِرٍ حَسَنٍ كَاجْتِنَابِ الْفَوَاحِشِ وَالزُّهْدِ وَالْعَمَلِ لِلآخِرَةِ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ يُخْرِجُونَ الناس إلى تحريم اللّحموم، وَمَسِّ الْمَاءِ لِلتَّطَهُّرِ، وَتَرْكِ قَتْلِ الْهَوَامِّ تَحَرُّجًا وَتَأَثُّمًا، ثُمَّ يَخْرُجُونَ مِنْ هَذَا إِلَى عِبَادَةِ اثْنَيْنِ، أَحَدُهُمَا النُّورُ، وَالآخَرُ الظُّلْمَةُ، ثُمَّ يُبِيحُونَ نِكَاحَ الأُخْتِ وَالْبِنْتِ، وَالْغُسْلَ بِالْبَوْلِ، فَجَرِّدْ فِيهِمُ السَّيْفَ، فَإِنِّي رَأَيْتُ جَدَّكَ الْعَبَّاسَ فِي الْمَنَامِ، فَقَلَّدَنِي سَيْفَيْنِ، وَأَمَرَنِي بِقَتْلِ أَصْحَابِ الاثْنَيْنِ.
قَالَ الزُّبَيْرُ: وَحَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ: قَسَّمَ الْمَهْدِيُّ قَسْمًا سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ، فَأَصَابَ مَشْيَخَةَ بَنِي هَاشِمٍ، أَكْثَرُهُمْ خَمْسَةٌ وَسِتُّونَ دِينَارًا، وَأَقَلُّ مَنْ أَصَابَهُ مِنَ الْقِسْمَةِ مِنَ الْعَرَبِ أَوْ مِنْ مَوَالِيهِمْ أَرْبَعَةُ دَنَانِيرَ، وَكَانَ عِدَّةُ الَّذِينَ أَخَذُوا ثَمَانِينَ أَلْفَ إِنْسَانٍ.
عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَقْطِينَ الأَمِيرِ قَالَ: خَرَجْنَا مَعَ الْمَهْدِيِّ، فَرَأَى فِي مَنَامِهِ رُؤْيَا اسْتَيْقَظَ بَاكِيًا، رَأَى كَأَنَّ شَيْخًا يَقُولُ لَهُ:
كَأَنَّنِي بِهَذَا الْقَصْرِ قَدْ بَادَ أَهْلُهُ ... وَأَوْحَشَ مِنْهُ رُكْنُهُ وَمَنَازِلُهُ
وَصَارَ عَمِيدُ الْقَوْمِ مِنْ بَعْدِ بَهْجَةٍ ... وَمُلْكٍ إِلَى قَبْرٍ عَلَيْهِ جَنَادِلُهُ
فَلَمْ يَبْقَ إِلا ذِكْرُهُ وَحَدِيثُهُ ... يُنَادِي بِلَيْلٍ مُعَوِّلاتٌ حَلائِلُهُ
تَزَوَّدْ من الدّنيا فإنّك ميت ... وإنّك مسؤول فَمَا أَنْتَ قَائِلُهُ
قَالَ الْفَلاسُ: مَلَكَ الْمَهْدِيُّ عِشْرِينَ سَنَةً وَشَهْرًا وَنِصْفًا، وَمَاتَ لِثَمَانٍ بَقِينَ مِنَ الْمُحَرَّمِ سَنَةَ تِسْعٍ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ.
قَالُوا: ومات بماسبذان، وعاش ثَلاثًا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً، وَعَقَدَ بِالأَمْرِ مِنْ بَعْدِهِ لابْنَيْهِ مُوسَى الْهَادِي، ثُمَّ هَارُونَ الرَّشِيدِ.
مشروع مجاني يهدف لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
لدعم المشروع: https://mail.shamela.ws/page/contribute