الثَّالِثَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ) عَطْفٌ عَلَيْهِ (مُتَشابِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ) نصب على الحال، وَفِي هَذِهِ أَدِلَّةٌ ثَلَاثَةٌ، أَحَدُهَا مَا تَقَدَّمَ مِنْ قِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ الْمُتَغَيِّرَاتِ لَا بدلها مِنْ مُغَيِّرٍ. الثَّانِي عَلَى الْمِنَّةِ مِنْهُ سُبْحَانَهُ عَلَيْنَا، فَلَوْ شَاءَ إِذْ خَلَقَنَا أَلَّا يَخْلُقَ لنا غذاء، إذ خَلَقَهُ أَلَّا يَكُونَ جَمِيلَ الْمَنْظَرِ طَيِّبَ الطَّعْمِ، وَإِذْ خَلَقَهُ كَذَلِكَ أَلَّا يَكُونَ سَهْلَ الْجَنْيِ، فَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ ابْتِدَاءً، لأنه لا يجب عليه شي. الثَّالِثُ عَلَى الْقُدْرَةِ فِي أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ الَّذِي مِنْ شَأْنِهِ الرُّسُوبُ يَصْعَدُ بِقُدْرَةِ اللَّهِ الْوَاحِدِ عَلَّامِ الْغُيُوبِ مِنْ أَسَافِلِ الشَّجَرَةِ إِلَى أَعَالِيهَا، حَتَّى إِذَا انْتَهَى إِلَى آخِرِهَا نَشَأَ فِيهَا أَوْرَاقٌ لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِهَا، وَثَمَرٌ خَارِجٌ مِنْ صِفَتِهِ الْجُرْمُ الْوَافِرُ، وَاللَّوْنُ الزَّاهِرُ، وَالْجَنْيُ الْجَدِيدُ، وَالطَّعْمُ اللَّذِيذُ، فَأَيْنَ الطَّبَائِعُ وَأَجْنَاسُهَا، وَأَيْنَ الْفَلَاسِفَةُ وَأُنَاسُهَا، هَلْ فِي قُدْرَةِ الطَّبِيعَةِ أَنْ تُتْقِنَ هَذَا الْإِتْقَانَ، أَوْ تُرَتِّبَ هَذَا التَّرْتِيبَ الْعَجِيبَ! كَلَّا! لَا يَتِمُّ ذَلِكَ فِي الْعُقُولِ إِلَّا لِحَيٍّ عَالِمٍ قَدِيرٍ مُرِيدٍ. فَسُبْحَانُ مَنْ له في كل شي آيَةٌ وَنِهَايَةٌ! وَوَجْهُ اتِّصَالِ هَذَا بِمَا قَبْلَهُ أَنَّ الْكُفَّارَ لَمَّا افْتَرَوْا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَشْرَكُوا مَعَهُ وَحَلَّلُوا وَحَرَّمُوا دَلَّهُمْ عَلَى وَحْدَانِيَّتِهِ بِأَنَّهُ خَالِقُ الْأَشْيَاءِ، وَأَنَّهُ جَعَلَ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ أَرْزَاقًا لَهُمْ. الرَّابِعَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: (كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ) فهذان بناء ان جاءا بصيغة أفعل، أحدهما مباح كقول:" فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ «١» " وَالثَّانِي وَاجِبٌ. وَلَيْسَ يَمْتَنِعُ فِي الشَّرِيعَةِ اقْتِرَانُ الْمُبَاحِ وَالْوَاجِبِ، وَبَدَأَ بِذِكْرِ نِعْمَةِ الْأَكْلِ قَبْلَ الْأَمْرِ بِإِيتَاءِ الْحَقِّ لِيُبَيِّنَ أَنَّ الِابْتِدَاءَ بِالنِّعْمَةِ كَانَ مِنْ فَضْلِهِ قَبْلَ التَّكْلِيفِ. الْخَامِسَةُ- قَوْلُهُ تَعَالَى: (وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصادِهِ) اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي تَفْسِيرِ هَذَا الْحَقِّ، مَا هُوَ، فَقَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَطَاوُسٌ وَالْحَسَنُ وَابْنُ زَيْدٍ وَابْنُ الْحَنَفِيَّةِ وَالضَّحَّاكُ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ: هِيَ الزَّكَاةُ الْمَفْرُوضَةُ، الْعُشْرُ وَنِصْفُ الْعُشْرِ. وَرَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ، وَبِهِ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ. وَحَكَى الزَّجَّاجُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ قِيلَ فِيهَا إِنَّهَا نَزَلَتْ بِالْمَدِينَةِ. وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ وَعَطَاءٌ وَالْحَكَمُ وَحَمَّادٌ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَمُجَاهِدٌ: هُوَ حَقٌّ فِي المال سوى «٢» الزكاة، الله به ندبا. وروى عن
(١). راجع ج ١٨ ص ١٠٨.(٢). وذلك قَوْلُهُ تَعَالَى: وَفِي أَمْوالِهِمْ حَقٌّ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ فإنها مكية.
يهدف المشروع لجمع ما يحتاجه طالب العلم من كتب وبحوث، في العلوم الشرعية وما يتعلق بها من علوم الآلة، في صيغة نصية قابلة للبحث والنسخ.
وهو مشروع مجاني لا يهدف للربح ولا يتلقى مقابل من المؤلفين نظير نشر كتبهم.
لدعم المشروع*: https://mail.shamela.ws/page/contribute
*تنويه هام: جميع المساهمات توجه للمصاريف التشغيلية من صف وتدقيق للكتب ونحو ذلك.