البخاريُّ، ومالكٌ (١): إن النبى - صلى الله عليه وسلم - وأصحابَه حَلَقُوا، وحَلُّوا مِن كلِّ شئٍ، قبلَ الطَّوافِ، وقبلَ أن يَصِلَ الهَدْىُ إلى البَيْتِ. ولم يُذْكَرْ أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَ أحَدًا أن يَقْضِىَ شيئًا، ولا أن يَعُودَ له. ويروَى أن النبى - صلى الله عليه وسلم - نَحَر هَدْيَه عندَ الشجَرَةِ التى كانَتْ تَحتَها بَيْعَةُ الرضْوانِ. وهي مِن الحِلِّ بِاتِّفاقِ أهْلِ السيرِ والنقْلِ. وقد دَلَّ عليه قَولُه سُبْحانَه:{وَالْهَدْىَ مَعْكُوفًا أن يَبْلُغَ مَحِلَّهُ}(٢). ولأنَّه مَوْضِعُ حِلِّه، فكانَ مَوْضِعَ نحْرِه، كالحَرَمِ. فإن قِيلَ: فقد قال اللهُ تعالى: {وَلَا تَحْلِقُوا رءُوسَكُمْ حَتى يبلُغ الْهَدْىُ مَحِلهُ}. وقال:{ثم مَحِلهَآ إلَى الْبَيْتِ الْعَتِيق}. ولأنَّه ذبْحٌ يَتَعَلَّقُ بالإحْرامِ، فلم يَجُزْ في غيرِ الحَرَمِ، كجَزاءِ الصَّيْدِ. قُلْنا: الآيةُ في حَقِّ غيرِ المُحْصَر، وَلا يُمْكِنُ قِياسُ المُحْصَرِ عليه؛ لأنَّ تحَلُّلَ المُحْصَرِ في الحِل، وتَحَلُّلَ غيرِه في الحَرَمِ، وكلُّ منهما يَنْحَرُ في مَوْضع تَحَلُّلِه. وقد قِيلَ في قَوْلِه تعالى:{حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ}. أى حتى يُذْبَحَ. وذَبْحُه في حَقِّ المُحْصَرِ في مَوْضع حِلِّه؛ اقْتِداءً بالنبىِّ - صلى الله عليه وسلم -.
(١) أخرجه البخارى، في: باب ما يلبس المحرم. . . .، وباب متى يحل المعتمر، وباب من قال ليس عل المحصر بدل، من كتاب الحج. صحيح البخارى ٢/ ١٦٩، ١٧٠، ٣/ ٧، ١٢. ومالك، في: باب ما جاء في من أحصر بعدو، من كتاب الحج. الموطأ ١/ ٣٦٠. كما أخرجه مسلم، في: باب بيان جواز التحلل بالإحصار، من كتاب الحج. صحح مسلم ٢/ ٩٠٣. وأبو داود، في: باب الإحصار، من كتاب المناسك. سنن أبى داود ١/ ٤٣١. والإمام أحمد، في: المسند ٤/ ٣٢٧. (٢) سورة الفتح ٢٥.