للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

فدينار، وإن كان دمًا أصفر فنصف دينار" (١). وللإمام أحمد أيضًا عنه أن رسول الله ، جعل في الحائض تصاب دينارًا، فإن أصابها وقد أدبر الدم (٢) عنها ولم تغتسل، فنصف دينار.

والقول الثاني: وهو الصحيح الجديد من مذهب الشافعي وقول الجمهور أنه لا شيء في ذلك، بل يستغفر اللّه ﷿ لأن لم يصح عندهم رفع هذا الحديث، فإنه قد روي مرفوعًا كما تقدم، وموقوفًا وهو الصحيح عند كثير من أئمة الحديث.

فقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ تفسير قوله: ﴿فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ﴾ وهي عن قربانهن بالجماع ما دام الحيض موجودًا، ومفهومه حله إذا انقطع. [وقد قال به طائفة من السلف.

قال القرطبي: وقال مجاهد وعكرمة وطاوس: انقطاع الدم يحلها لزوجها ولكن بأن تتوضأ] (٣).

[قال الإمام أبو عبد اللّه أحمد بن محمد بن حنبل فيما أملاه في الطاعة: وقوله: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ فالطهر يدل على أن يقربها، فلما قالت ميمونة وعائشة: كانت إحدانا إذا حاضت اتَّزرت ودخلت مع رسول اللّه في شعاره (٤)، دلَّ ذلك على أنه إنما أراد الجماع] (٥).

وقوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ فيه ندب وإرشاد إلى غشيانهن بعد الاغتسال، وذهب ابن حزم إلى وجوب الجماع بعد كل حيضة لقوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ وليس له في ذلك مستند، لأن هذا أمر بعد الحظر. وفيه أقوال لعلماء الأصول منهم من يقول: إنه على الوجوب كالمطلق، هؤلاء يحتاجون إلى جواب ابن حزم.

ومنهم من يقول: إنه للإباحة، ويجعلون تقدم النهي عليه قرينة صارفة له عن الوجوب، وفيه نظر، والذي ينهض عليه الدليل أنه يرد عليه الحكم إلى ما كان عليه الأمر قبل النهي، فإن كان واجبًا، فواجب كقوله: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]، أو مباحًا فمباح كقوله: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ [المائدة: ٢]، ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠] وعلى هذا القول تجتمع الأدلة، وقد حكاه الغزالي وغيره، فاختاره بعض أئمة المتأخرين وهو الصحيح، وقد اتفق العلماء على أن المرأة إذا انقطع حيضها لا تحل حتى تغتسل بالماء أو تتيمم إن تعذر ذلك عليها بشرطه، إلا أن أبا حنيفة يقول: فيما إذا انقطع دمها لأكثر الحيض وهو عشرة أيام عنده: أنها تحل بمجرد الانقطاع ولا تفتقر إلى غسل، والله أعلم.

وقال ابن عباس: ﴿حَتَّى يَطْهُرْنَ﴾ أي: من الدم ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ﴾ أي: بالماء (٦)، وكذا قال مجاهد


= أخرجه أبو داود في سننه، الطهارة، باب إتيان الحائض (ح ٢٦٤ - ٢٦٦)، وأخرجه الترمذي وصححه محققه أحمد شاكر بعد أن ساق له خمسين طريقًا (السنن الطهارة، باب ما جاء في الكفارة ١/ ٢٤٤ - ٢٥٤)، وصحح وقفه الحافظ ابن كثير عن كثير من النقاد، وله حكم الرفع.
(١) ينظر التخريج السابق.
(٢) لفظ: "الدم" سقط من الأصل واستدرك من (عف) و (حم) و (مح) و (ح) والتخريج.
(٣) ما بين معقوفين زيادة من (ح).
(٤) قول ميمونة وعائشة تقدم تخريجه في الصفحة السابقة.
(٥) ما بين معقوفين زيادة من (عف) و (مح).
(٦) أخرجه الطبري وابن أبي حاتم بسند ثابت من طريق علي بن أبي طلحة عنه.