و ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)﴾ [النساء: ١٠]،
انطلق من كان عنده يتيم فعزل طعامه من طعامه وشرابه من شرابه، فجعل يفضل له الشيء من طعامه فيحبس له حتى يأكله أو يفسد، فاشتد ذلك عليهم، فذكروا ذلك لرسول اللّه ﷺ فأنزل اللّه: ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ فخلطوا طعامهم بطعامهم وشرابهم بشرابهم (١).
وهكذا رواه أبو داود والنسائي وابن أبي حاتم وابن مردويه والحاكم في مستدركه من طرق عن عطاء بن السائب به (٢).
وكذا رواه علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس (٣)، وكذا رواه السدي عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس، وعن مُرَّة، عن ابن مسعود بمثله (٤)، وهكذا ذكر غير واحد في سبب نزول هذه الآية كمجاهد وعطاء والشعبي وابن أبي ليلى وقتادة وغير واحد من السلف والخلف.
قال وكيع بن الجراح: حدثنا هشام صاحب الدستوائي، عن حماد، عن إبراهيم، قال: قالت عائشة ﵂: إني لأكره أن يكون مال اليتيم عندي على حدة، حتى أخلط طعامه بطعامي، وشرابه بشرابي (٥).
فقوله: ﴿قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ﴾ أي: على حدة، ﴿وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ﴾ أي: وإن خلطتم طعامكم بطعامهم وشرابكم بشرابهم فلا بأس عليكم، لأنهم إخوانكم في الدين، ولهذا قال: ﴿وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ﴾ أي: يعلم من قصده ونيته الإفساد أو الإصلاح.
وقوله: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأَعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ أي: ولو شاء اللّه لضيق عليكم وأحرجكم، ولكنه وسع عليكم، وخفف عنكم، وأباح لكم مخالطتهم بالتي هي أحسن، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [الأنعام: ١٥٢]، بل قد جوّز الأكل منه للفقير بالمعروف، إما بشرط ضمان البدل لمن أيسر، أو مجانًا كما سيأتي بيانه في سورة النساء، إن شاء اللّه وبه الثقة.
﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٢١)﴾.
هذا تحريم من اللّه ﷿ على المؤمنين، أن يتزوجوا المشركات من عبدة الأوثان، ثم [إن] (٦)
(١) أخرجه الطبري بسنده ومتنه، وفي سنده سفيان بن وكيع: ضعيف، وقد توبع فقد أخرجه الطبري وأحمد (المسند ح ٣٠٠٢)، وأبو داود (السنن، الوصايا، باب مخالطة اليتيم ح ٢٨٧١)، والنسائي (السنن، الوصايا، باب ما للموصي من مال ٥/ ٢٥٦)، وصححه أحمد شاكر في تحقيقه للمسند، وحسنه الألباني في صحيح سنن النسائي (ح ٣٤٣٠)، وأخرجه الحاكم في المستدرك ٢/ ٢٧٨، وصححه ووافقه الذهبي.
(٢) تقدم تخريجه في سابقه.
(٣) أخرجه الطبري بسند ثابت عنه.
(٤) سنده اختلط على السدي ويشهد له ما سبق والآثار اللاحقة.
(٥) أخرجه الطبري من طريق وكيع به، وفيه إبراهيم النخعي لم يسمع من عائشة.
(٦) قوله: "إن" سقط من الأصل واستدرك من (عف) و (ح) و (حم).