للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

لبني إسرائيل في تيههم حين تاهوا (١).

وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ يقول: والملائكة يجيئون في ظلل من الغمام، والله تعالى يجيء فيما يشاء، وهي في بعض القراءة (هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله والملائكة في ظلل من الغمام) وهي كقوله: ﴿وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلَائِكَةُ تَنْزِيلًا (٢٥)[الفرقان] (٢).

﴿سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢١١) زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢١٢)﴾.

يقول تعالى مخبرًا عن بني إسرائيل: كم شاهدوا مع موسى من آية بينة؛ أي: حجة قاطعة بصدقه فيما جاءهم به، كيده وعصاه وفلقه البحر وضربه الحجر، وما كان من تظليل الغمام عليهم في شدة الحر، ومن إنزال المن والسلوى، وغير ذلك من الآيات الدالات على وجود الفاعل المختار، وصدق من جرت هذه الخوارق على يديه، ومع هذا أعرض كثير منهم عنها وبدلوا نعمة الله [كفرًا] (٣)؛ أي: استبدلوا بالإيمان بها الكفر بها والإعراض عنها ﴿وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾، كما قال تعالى إخبارًا عن كفار قريش: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ (٢٨) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ (٢٩)[إبراهيم] ثم أخبر تعالى عن تزيينه الحياة الدنيا للكافرين الذي رضوا بها، واطمأنوا إليها وجمعوا الأموال ومنعوها من مصارفها التي أمروا بها، مما يرضي الله عنهم وسخروا من الذين آمنوا، الذين أعرضوا عنها، وأنفقوا ما حصل لهم منها في طاعة ربهم، وبذلوه ابتغاء وجه الله، فلهذا فازوا بالمقام الأسعد والحظ الأوفر يوم معادهم، فكانوا فوق أولئك في محشرهم ومنشرهم ومسيرهم ومأواهم، فاستقروا في الدرجات في أعلى عليين، وخلد أولئك في الدركات في أسفل سافلين،

ولهذا قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ أي: يرزق من يشاء من خلقه ويعطيه عطاء كثيرًا جزيلًا بلا حصر ولا تعداد في الدنيا والآخرة، كما جاء في الحديث "ابن آدم أَنفق أُنفق عليك" (٤).

وقال النبي : "أنفق بلالًا ولا تخش من ذي العرش إقلالًا" (٥).


(١) أخرجه الطبري بسند صحيح من طريق عيسى بن ميمون عن ابن أبي نجيح به.
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد عن أبي جعفر به، وما ورد من القراءة فهي شاذة. وأخرجه الطبري بسند حسن أنها قراءة أُبي بن كعب ولعلها من القراءة المنسوخة.
(٣) قوله: "كفرًا" سقط من الأصل، واستدرك من (عف) و (عش) و (ح).
(٤) صحيح البخاري، التفسير، باب ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود: ٧] (ح ٤٦٨٤)، وصحيح مسلم، الزكاة، باب الحث على النفقة (ح ٩٩٣).
(٥) أخرجه الطبراني من طريق قيس بن الربيع عن أبي حصين عن يحيى بن وثاب عن مسروق عن ابن مسعود مرفوعًا (المعجم الكبير ١٠/ ١٩١ - ١٩٢، ح ١٠٣٠٠)، قال الهيثمي: وفيه قيس بن الربيع وثقه شعبة والثوري وفيه كلام، وبقية رجاله ثقات (مجمع الزوائد ٣/ ١٢٦)، وقد توبع قيس إذ أخرجه الأصبهاني في الترغيب=