للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

وفي ذكر عبد الله بن سلام مع هؤلاء نظر، إذ يبعد أن يستأذن في إقامة السبت وهو مع تمام إيمانه يتحقق نسخه ورفعه وبطلانه والتعويض عنه بأعياد الإسلام.

ومن المفسرين من يجعل قوله: ﴿كَافَّةً﴾ حالًا من الداخلين؛ أي: ادخلوا في الإسلام كلكم والصحيح الأول، وهو أنهم أمروا [كلهم] (١) أن يعملوا بجميع شعب الإيمان وشرائع الإسلام وهي كثيرة جدًّا ما استطاعوا منها، كما قال ابن أبي حاتم: أخبرنا علي بن الحسين، أخبرنا أحمد بن الصباح، أخبرني الهيثم بن يمان، حدثنا إسماعيل بن زكريا، حدثني محمد بن عون، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ كذا قرأها بالنصب، يعني مؤمني أهل الكتاب، فإنهم كانوا مع الإيمان بالله مستمسكين ببعض أمور التوراة والشرائع التي أنزلت فيهم، فقال الله: ﴿ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً﴾ يقول: ادخلوا في شرائع دين محمد ولا تدعوا منها شيئًا وحسبكم الإيمان بالتوراة وما فيها (٢).

وقوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ﴾ أي: اعملوا الطاعات واجتنبوا ما يأمركم به الشيطان فـ ﴿إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (١٦٩)[البقرة] و ﴿إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ [فاطر: ٦]، ولهذا قال: ﴿إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ﴾.

قال مطرف: أغشّ عباد الله لعبيد الله الشيطان (٣).

وقوله: ﴿فَإِنْ زَلَلْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ أي: عدلتم عن الحق بعدما قامت عليكم الحجج، فاعلموا أن الله عزيز؟ أي: في انتقامه لا يفوته هارب ولا يغلبه غالب حكيم في أحكامه ونقضه وإبرامه، ولهذا قال أبو العالية وقتادة والربيع بن أنس: عزيز في نقمته حكيم في أمره (٤). وقال محمد بن إسحاق: العزيز في نصره ممن كفر به إذا شاء الحكيم في عذره وحجته إلى عباده (٥).

﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٢١٠)﴾.

يقول تعالى مهددًا للكافرين بمحمد صلوات الله وسلامه عليه: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ يعني: يوم القيامة لفصل القضاء بين الأولين والآخرين، فيجزي كل عامل بعمله إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر، ولهذا قال تعالى: ﴿وَقُضِيَ الْأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾ كما قال الله تعالى: ﴿كَلَّا إِذَا دُكَّتِ الْأَرْضُ دَكًّا دَكًّا (٢١) وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا (٢٢) وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الْإِنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (٢٣)[الفجر] وقال: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ﴾ الآية [الأنعام: ١٥٨].


(١) قوله: "كلهم" سقط من الأصل، واستدرك من (عش) و (عف) و (ح).
(٢) أخرجه ابن أبي حاتم سنده ومتنه وفيه محمد بن عون: متروك كما في التقريب. فالإسناد ضعيف جدًّا.
(٣) أخرجه ابن أبي حاتم بسند صحيح من طريق قتادة عن مطرف.
(٤) قول أبي العالية أخرجه ابن أبي حاتم بسند جيد من طريق الربيع بن أنس عنه، وذكر قتادة بدون سند.
(٥) أخرجه ابن أبي حاتم بسند حسن من طريق سلمة بن الفضل.