وقال الإمام أحمد: حدثنا هشيم، أخبرنا حصين، عن الشعبي، أخبرني عدي بن حاتم قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ﴾ عمدت إلى عقالين: أحدهما أسود والآخر أبيض، قال: فجعلتهما تحت وسادتي، قال: فجعلت أنظر إليهما، فلما تبين لي الأبيض من الأسود أمسكت، فلما أصبحت غدوت إلى رسول الله فأخبرته بالذي صنعت، فقال:"إن وسادك إذًا لعريض إنما ذلك بياض النهار من سواد (١) الليل"(٢). أخرجاه في الصحيحين من غير وجه عن عدي (٣).
ومعنى قوله: إن وسادك إذًا لعريض؛ أي: إن كان ليسع لوضع الخيط الأسود والأبيض المرادين من هذه الآية تحتها، فإنهما بياض النهار وسواد الليل، فيقتضي أن يكون بعرض المشرق والمغرب، وهكذا وقع في رواية البخاري مفسرًا بهذا، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا أبو عوانة عن حصين، عن الشعبي، عن عدي، قال: أخذ عدي عقالًا أبيض وعقالًا أسود، حتى كان بعض الليل نظر فلم يستبينا، فلما أصبح قال: يا رسول الله جعلت تحت وسادتي، قال:"إن وسادك إذًا لعريض، إن كان الخيط الأبيض والأسود تحت وسادتك"(٤).
وجاء في بعض الألفاظ:"إنك لعريض القفا" ففسّره بعضهم بالبلادة (٥)، وهو ضعيف، بل يرجع إلى هذا لأنه إذا كان وساده عريضًا فقفاه أيضًا عريض، والله أعلم. ويفسره رواية البخاري أيضًا حدثنا قتيبة، حدثنا جرير، عن مطرف، عن الشعبي، عن عدي بن حاتم قال: قلت: يا رسول الله ما الخيط الأبيض من الخيط الأسود، أهما الخيطان؟ قال:"إنك لعريض القفا إن أبصرت الخيطين"، ثم قال:"لا بل هو سواد الليل وبياض النهار"(٦).
وفي إباحته تعالى جواز الأكل إلى طلوع الفجر دليل على استحباب السحور، لأنه من باب الرخصة والأخذ بها محبوب، ولهذا وردت السنّة الثابتة عن رسول الله ﷺ. بالحث على السحور. ففي الصحيحين عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: "تسحروا فإن في السحور بركة"(٧).
وفي صحيح مسلم عن عمرو بن العاص ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "إن فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر"(٨).
وقال الإمام أحمد: حدثنا إسحاق بن عيسى هو: ابن الطباع، حدثنا عبد الرحمن بن زيد، عن
(١) في الأصل: "وسواد" والتصويب من (عف) والتخريج. (٢) أخرجه الإمام أحمد بسنده ومتنه (المسند ٤/ ٣٧٧ والعلل ص ٣٢٤)، وأخرجه الشيخان من طريق حصين به (صحيح البخاري، تفسير سورة البقرة، باب ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا﴾ [البقرة: ١٨٧] ح ٤٥٠٩)، وصحيح مسلم، الصيام، باب بيان أن الدخول في الصوم يحصل بطلوع الفجر (ح ١٠٩٠). (٣) انظر: صحيح البخاري (ح ٤٥١٠). (٤) صحيح البخاري (ح ٤٥٠٩). (٥) وهو في الكشاف للزمخشري، ولا يليق بمقام صحابي. (٦) أخرجه البخاري بسنده ومتنه في صحيحه، تفسير سورة البقرة (ح ٤٥١٠). (٧) صحيح البخاري، الصوم، باب بركة السحور (ح ١٩٢٣) وصحيح مسلم، الصيام، باب فضل السحور (ح ١٠٩٥). (٨) صحيح مسلم الباب السابق (ح ١٠٩٦).