للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

فأما إن رغب عن السنّة ورأى أن الفطر مكروه إليه، فهذا يتعين عليه الإفطار، ويحرم عليه الصيام، والحالة هذه لما جاء في مسند الإمام أحمد وغيره عن ابن عمر وجابر وغيرهما: "من لم يقبل رخصة الله كان عليه من الإثم مثل جبال عرفة" (١).

(الرابعة): القضاء هل يجب متتابعًا أو يجوز فيه التفريق؟ فيه قولان:

(أحدهما): أنه يجب التتابع، لأن القضاء يحكي الأداء.

(والثاني): لا يجب التتابع بل إن شاء فرق وإن شاء تابع، وهذا قول جمهور السلف والخلف، وعليه ثبتت الدلائل لأن التتابع إنما وجب في الشهر لضرورة أدائه في الشهر، فأما بعد انقضاء رمضان، فالمراد صيام أيام عدة ما أفطر، ولهذا قال تعالى: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾.

ثم قال تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾. قال الإمام أحمد: حدثنا أبو سلمة الخزاعي، حدثنا [أبو] (٢) هلال، عن حميد بن هلال العدوي، عن أبي قتادة، عن الأعرابي الذي سمع النبي يقول: "إن خير دينكم أيسره، إن خير دينكم أيسره" (٣).

وقال أحمد أيضًا: حدثنا يزيد بن هارون، أخبرنا عاصم بن هلال، حدثنا [غاضرة] (٤) بن عروة الفقيمي، حدثني أبي - عروة - قال: كنا ننتظر النبي فخرج يقطر رأسه من وضوء أو غسل، فصلى، فلما قضى الصلاة جعل الناس يسألونه: علينا حرج في كذا؟ فقال رسول الله : "إن دين الله في يسر" ثلاثًا يقولها (٥).

ورواه الإمام أبو بكر بن مردويه في تفسير هذه الآية من حديث مسلم بن إبراهيم، عن عاصم بن هلال به.

وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة قال: قال أبو التياح: سمعت أنس بن مالك يقول: إن رسول الله قال: "يسّروا ولا تعسّروا وسكِّنوا ولا تنفّروا" أخرجاه في الصحيحين (٦). وفي الصحيحين أيضًا: أن رسول الله قال لمعاذ وأبي موسى حين بعثهما إلى اليمن: "بشّرا ولا تنفّرا، ويسّرا ولا تعسّرا، وتطاوعا ولا تختلفا" (٧).

وفي السنن والمسانيد: أن رسول الله قال: "بُعثت بالحنيفية السمحة" (٨).


(١) أخرجه أحمد من حديث ابن عمر (المسند ح ٥٣٩٢)، وفي سنده ابن لهيعة وضعفه الألباني في ضعف الجامع الصغير ٥/ ٢٥٠.
(٢) في الأصل: "ابن" والتصويب من رواية المسند ونسخة (عف) و (حم).
(٣) أخرجه أحمد بسنده ومتنه (المسند ٣/ ٤٧٩)، ورجاله ثقات إلا أبا هلال وهو محمد بن سليم الراسبي: صدوق فيه لين (التقريب ٢/ ١٦٦)، والرواية التالية وشواهدها تقويه إلى درجة الحسن.
(٤) في الأصل: "عناضرة" والتصويب من رواية المسند و (عف) و (ح).
(٥) أخرجه الإمام أحمد في المسند ٥/ ٦٩، وفي إسناده عاصم بن هلال فيه لين كما في التقريب.
(٦) المسند ٣/ ٢٠٩، وأخرجه البخاري، الصحيح، العلم، باب العلم قبل القول والعمل (ح ٦٩)، وصحيح مسلم (ح ١٧٣٤).
(٧) صحيح البخاري، المغازي، باب بعث أبي موسى ومعاذ إلى اليمن (ح ٤٣٤١)، وصحيح مسلم، الجهاد، باب الأمر بالتيسر (ح ١٧٣٣).
(٨) أخرجه الإمام أحمد من حديث عائشة (المسند ٤١/ ٣٤٩ ح ٢٤٨٥٥) وسنده حسن.