وقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ كما قال معاذ ﵁: كان في ابتداء الأمر من شاء صام، ومن شاء أفطر وأطعم عن كل يوم مسكينًا، وهكذا روى البخاري عن سلمة بن الأكوع أنه قال لما نزلت: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾: كان من أراد أن يفطر يفتدي حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها (٢). وروي أيضًا من حديث عبيد الله عن [نافع عن](٣) ابن عمر قال: هي منسوخة (٤).
وقال السدي، عن مُرة، عن عبد الله، قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ قال: يقول: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ﴾ أي: يتجشمونه. قال عبد الله: فكان من شاء صام، ومن شاء أفطر وأطعم مسكينًا، ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ﴾ قال: يقول: أطعم مسكينًا آخر ﴿فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا (٥) خَيْرٌ لَكُمْ﴾ فكانوا كذلك حتى نسختها ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ (٦)[البقرة: ١٨٥].
وقال البخاري أيضًا: أخبرنا إسحاق، حدثنا روح، حدثنا زكريا بن إسحاق، حدثنا عمرو بن دينار، عن عطاء: سمع ابن عباس يقرأ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ﴾ [يطوّقونه](٧) ﴿فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾. قال ابن عباس: ليست منسوخة، هو الشيخ الكبير والمرأة الكبيرة لا يستطيعان أن يصوما فيطعمان مكان كل يوم مسكينًا. وهكذا روى غير واحد عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس نحوه (٨).
وقال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا عبد الرحيم بن سليمان، عن أشعث بن سوار، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: نزلت هذه الآية: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ في الشيخ الكبير الذي لا يطيق الصوم، ثم ضعف فرخص له أن يطعم مكان كل يوم مسكينًا (٩).
وقال الحافظ أبو بكر بن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد، حدثنا الحسن بن محمد بن بهرام المخرمي، حدثنا وهب بن بقية، حدثنا خالد بن عبد الله، عن ابن أبي ليلى، قال: دخلت على عطاء في رمضان وهو يأكل، فقال: قال ابن عباس: نزلت هذه الآية: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ﴾ فكان من شاء صام ومن شاء أفطر وأطعم مسكينًا ثم نسخت الأولى إلى الكبير الفاني إن شاء أطعم عن كل يوم مسكينًا وأفطر (١٠).
فحاصل الأمر أن النسخ ثابت في حق الصحيح المقيم بإيجاب الصيام عليه بقوله: ﴿فَمَنْ شَهِدَ
(١) صحيح البخاري، التفسير (ح ٤٥٠١ و ٤٥٠٣). (٢) الصحيح، التفسير (ح ٤٥٠٧). (٣) سقط من الأصل وأثبت من (ح) و (عف). (٤) صحيح البخاري، التفسير، سورة البقرة (ح ٤٥٠٦). (٥) في الأصل: "تصدقوا". (٦) سنده حسن إلى عبد الله بن مسعود ويشهد له ما يليه. (٧) في الأصل: "يطيقونه" والتصويب من (عف) ورواية الصحيح فقد أخرجه البخاري بسنده ومتنه (التصحيح، التفسير، سورة البقرة ح ٤٥٠٥). (٨) أخرجه الطبري من طريق عزرة عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس ويشهد له ما سبق. (٩) في سنده أشعث بن سوار: ضعيف كما في التقريب ويشهد له ما سبق. (١٠) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره وابن الجوزي كلاهما من طريق ابن جريج عن عطاء به، (نواسخ القرآن ص ١٧٢).