للمساهمة في دعم المكتبة الشاملة

فصول الكتاب

﴿إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ أي: قد اطلع على ما أوصى به الميت وهو عليم بذلك وبما بدّله الموصى إليهم.

وقوله: ﴿فَمَنْ خَافَ مِنْ مُوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا﴾ قال ابن عباس وأبو العالية ومجاهد والضحاك والربيع بن أنس والسدي: الجنف: الخطأ (١).

وهذا يشمل أنواع الخطأ كلها بأن زادوا وارثًا بواسطة أو وسيلة، كما إذا أوصى ببيعة الشيء الفلاني محاباة أو أوصى لابن ابنته ليزيدها أو نحو ذلك من الوسائل، إما مخطئًا غير عامد بل بطبعه وقوة شفقته من غير تبصر، أو متعمدًا آثمًا في ذلك، فللوصي والحالة هذه، أن يصلح القضية ويعدل في الوصية على الوجه الشرعي، ويعدل عن الذي أوصى به الميت إلى ما هو أقرب الأشياء إليه وأشبه الأمور به جمعًا بين مقصود الموصي والطريق الشرعي، وهذا الإصلاح والتوفيق، ليس من التبديل في شيء، ولهذا عطف هذا فبينه على النهي [عن ذلك] (٢) ليعلم أن هذا ليس من ذلك بسبيل، والله أعلم.

وقد قال ابن أبي حاتم: حدثنا العباس بن الوليد بن مزيد قراءة، أخبرني أبي، عن الأوزاعي، قال الزهري: حدثني عن عروة (٣)، عن عائشة، عن النبي أنه قال: "يرد من صدقة الجانف في حياته ما يرد من وصية (٤) المجنف عند موته"، وهكذا رواه أبو بكر بن مردويه من حديث العباس بن الوليد. قال ابن أبي حاتم: وقد أخطأ فيه الوليد بن مزيد، وهذا الكلام إنما هو عن عروة فقط، وقد رواه الوليد بن مسلم عن الأوزاعي فلم يجاوز به عروة (٥).

وقال ابن مردويه أيضًا: حدثنا محمد بن أحمد بن إبراهيم، حدثنا إبراهيم بن يوسف، حدثنا هشام بن عمار، حدثنا عمر بن المغيرة، عن داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي قال: "الجنف في الوصية من الكبائر" وهذا في رفعه أيضًا نظر (٦).

وأحسن ما ورد في هذا ما قال عبد الرزاق: حدثنا معمر، عن أشعث بن عبد الله، عن شهر بن حوشب، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله : "إن الرجل ليعمل بعمل أهل الخير سبعين سنة، فإذا أوصى حاف في وصيته، فيختم له بشر عمله فيدخل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل الشر سبعين سنة، فيعدل في وصيته، فيختم له بخير عمله، فيدخل الجنة". قال أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا﴾ الآية [البقرة: ٢٢٩] (٧).


(١) أخرج الطبري أقوالهم بأسانيد ثابتة إلا إسناد الضحاك فمن طريق جويبر، وسنده ضعيف وتشهد له تلك الأقوال.
(٢) في الأصل: "لذلك" والتصويب من (ح) و (عف).
(٣) كذا في الأصل: "حدثني عن عروة" وكذا في تفسير ابن أبي حاتم وفي نسخة (عف) وفي (ح) و (حم): "عن عروة".
(٤) كذا في الأصل وفي رواية ابن أبي حاتم و (حم) و (عف)، وفي نسخة (ح): "من صدقة".
(٥) ذكره ابن أبي حاتم بعد ذكره للرواية سندًا ومتنًا وقد حكم بالضعف على الرواية المرفوعة.
(٦) وأخرجه البيهقي من طريق داود بن أبي هند بن موقوفًا، ثم قال: هذا هو الصحيح موقوف (السنن الكبرى ٦/ ٢٧١).
(٧) أخرجه الترمذي من طريق شهر بن حوشب به، وقال: حسن صحيح غريب (السنن، الوصايا، باب الضرار في الوصية ح ٢١١٧)، وفي سنده شهر بن حوشب كثير الإرسال والأوهام (التقريب ص ٢٦٩).